همسة خواطر (2)

لماذا يُظلم الإنسان الطيب؟ وكيف يتعامل مع الظلم بهدوء

لماذا يُظلم الإنسان الطيب؟ وكيف يتعامل مع الظلم بهدوء

القناع رمز العالم مقلوب يقصي فيه الطيب ويرفع الخبيث


في زمانٍ كثر فيه الزيف، وشاعت فيه الأقنعة،وجدتُ نفسي أقف أمام مرآة روحي،أراجع كل ما عشته وكل من صادفته من وجوهٍ وأرواح أدركتُ أن صدمتي بالبشر لم تأتِ عبثًا،بل جاءت بعدما عايشتُ الحقيقة،واكتشفتُ أن الطيب صار يُطارد ويُكره،بينما الخبيث يُحب، ويُرفع شأنه، وتُفتح له الأبواب كنتُ أظن أن القلوب تعرف الجميل،وتميّز النقي، وتعشق الصادق لكنني خُذلت.

شر الناس من ظلم الناس للناس

خذلتني المواقف، وخذلتني نظرات الناس،وخذلتني اللحظات التي كنتُ أظنها آمنة،فإذا بها تكشف وجوهًا ما كنتُ أتخيل زيفها اكتشفتُ أن كثيرًا من الناس لا يُبهرهم إلا من يُتقن الخديعة،ولا يعجبهم إلا من يحسن التلوّن،كأن الطيبة صارت عيبًا،وكأن النقاء صار عبئًا يُثقل كاهل من يحمله.كم جرحتني تلك اللحظات التي رأيتُ فيها الطيب يُقصى،ويُتهم الشريف بالسذاجة،ويُسخر من الوفاء،في حين تُرفع الأيدي بالتصفيق للماكر،وتُفتح الأبواب للمخادع،ويُرفع الكاذب لأنه يحسن التمثيل ويُقال عن الغشّاش ذكي وعن الخائن لبق وعن المزيف ناجح.

استغلال الناس الطيبين

أعترف أنني كنتُ من البسطاء الذين ظنوا أن الخير يُحب،وأن الطيب يُحتفى به،وأن النقي يُحتضن لكنني حين دخلتُ هذا العالم الحقيقي،اكتشفتُ أن النقاء غُربة،وأن الطيبة تُثير الاستغراب،وأن الصدق يُزعج،وأن الوضوح يُخيف.
  • كم مرةٍ سألتُ نفسي في صمتٍ موجوع:لماذا يكره الناس الطيب؟
  • لماذا يرون في صفائه ضعفًا؟
  • ولماذا يعشقون الخبيث، ويُبهرهم زيفه، وتخدعهم قشوره؟
لم أجد جوابًا يشفي،سوى أن الموازين قد اختلّت،وأن العيون صارت لا ترى النور،وأن القلوب أصابها صدأ الغفلة،فأصبحت تُعجب بما يلمع، لا بما يصدق،وتنجذب لما يُبهجها لحظة، لا لما يُربّي فيها ضميرًا أو قيمة.

الإنسان الطيب في هذا الزمن

رأيتُ بأم عيني كيف يتبدّل الناس كيف يتخلّون عن الطيب وقت حاجته،ويتسابقون إلى الخبيث إذا امتلك جاهًا أو
 مالًا رأيتُ من يتقن الكذب يعلو،ومن يُجيد المراوغة يُحتفى به،بينما الصادق يُخشى صدقه،ويُبعد، لأن الحقيقة تُزعجهم أكثر مما يُسعدهم زيف المجاملة.
ومع كل ما رأيته،ومع كل خيبة ذقتها،لم أقدر أن أُغيّر جلدي.لم أستطع أن أبدّل طيبتي بدهاء،ولا شفافيتي بدهانٍ يجمّل الباطن بالكذب لأن كرامتي ليست في رضا الناس،بل في أن أبقى كما أنا أمام نفسي، وأمام ربي.
كم من مرةٍ حاولت أن أكون حادّة،أن أرتدي قناعًا يحجب قلبي،لكنني فشلت، لأن قلبي يرفض الزيف وروحي تأبى أن تتخلى عن النقاء.
يا لهذا الزمن الغريب زمنٌ صار فيه الغدر براعة،والخداع مهارة،والكذب شطارة زمنٌ يُهان فيه الشريف،ويُخدع فيه الصادق،ويُبجل فيه الكاذب.

الإنسان الطيب ماذا تعلم

لكن، ورغم كل ذلك، تعلّمت تعلّمت أن أثق بما أنا عليه،أن أحفظ قلبي من التلوّن،وأن أُحسن الظن بالله،حين يسوء الظن بالبشرعلّمني هذا الزمن ألا أركض خلف إعجاب الناس،بل خلف رضا الله.ألا أُغيّر صفائي ليليق بقلوبهم المتقلبة،بل أُغيّر طريقتي في التعامل معهم،وأُحسن انتقاء من يستحق البقاء وأنت، يا من تقرأ الآن.
  • هل شعرتَ أن طيبتك أصبحت عبئًا؟
  • هل مررتَ بصدماتٍ كالتي مررتُ بها؟
  • هل وجدتَ نفسك تسأل: هل أُبقي على طيبتي، أم أُغلق قلبي وأمضي؟
لا تخجل من جوابك فكلنا مررنا بلحظات انكسار جعلتنا نشك في أنفسنا،وفي صفاتنا الجميلة،وفي طيبتنا التي نُتّهم بها وكأنها ضعف لكن تذكّر دائمًا الناس لا يملكون مفاتيح قلبك،ولا يرفعونك حقًا،ولا يسقطونك صدقًا.الله وحده من يراك، ويعلم نيتك، ويُنصفك حين يُظلِم كل شيء.
وفي نهاية كلامي أقول لكل من يشعر بأنه غريبٌ في زمنٍ لا يشبه قلبه تمسّك بما أنت عليه لا تتنازل عن نقائك لأجل إعجاب زائل لا تغيّر وجهك ليرضى عنك من لا يرى إلا القناع.ابقَ كما أنت، لأنك بخيروإن كرهك الناس.

سؤال تأملي وأنت يا من وصلت إلى هذه الكلمات

  • هل بقيت كما أنت رغم صدمات البشر؟
  • أم غيّرتك جراحهم؟
  • وكيف صنت قلبك من التلوّن؟
شاركني رأيك فربما نجد في حروف بعضنا عزاءً يبقينا على ثباتنا في زمنٍ كل ما فيه يدفعك للتنازل عن ذاتك.
الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.