همسة خواطر (2)

فن الرضا بالقدر المكتوب

صورة لمنظر طبيعي وقت الغروب مع دفتر وقهوة وفانوس تعبر عن الهدوء النفسي والرضا بالقدر المكتوب
حين تتقبل ما لم تختره تبدأ الراحة التي كنت تبحث عنه

حين لا تسير الحياة كما أردت

هناك لحظات تدرك فيها أن كل ما خططت له لم يحدث.
أن الطريق الذي رسمته في ذهنك، لم يأخذك إلى المكان الذي توقعت الوصول إليه.
تشعر أن الأمور خرجت من يدك، وأنك مهما حاولت، هناك شيء أقوى يعيد توجيهك دون إذنك.
في البداية، تقاوم.
تحاول أن تعيد ترتيب الأحداث، أن تفهم لماذا، أن تبحث عن خطأ، عن سبب، عن فرصة لتغيير ما حدث.
لكن مع كل محاولة تكتشف أن بعض الأشياء لا تتغير، مهما فعلت.
وهنا تبدأ أول مواجهة حقيقية مع فكرة الرضا.

الفرق بين الاستسلام والرضا

كثيرون يخلطون بين الرضا والاستسلام.
يظنون أن الرضا يعني أن تتوقف عن المحاولة، أن تقبل كل شيء بصمت، أن تعيش دون رغبة أو سعي.
لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
الاستسلام هو أن تنطفئ أما الرضا، فهو أن تستمر لكن بقلب هادئ.
أن تبذل جهدك، تسعى، تحاول، ثم تقبل النتيجة كما هي، دون أن تنكسر لأن الأمور لم تكن كما أردت.
الرضا لا يلغي الألم لكنه يمنعك من الغرق فيه.

لماذا نقاوم ما كُتب لنا؟

لأننا نحب السيطرة.
نحب أن نشعر أننا نملك زمام الأمور، أن كل شيء يسير وفق خطتنا.
لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة دائمًا.
حين يحدث شيء خارج إرادتنا، نشعر بالظلم، بالضياع، بعدم الفهم.
نرفض الفكرة نفسها أن هناك أشياء كُتبت لنا قبل أن نختارها.
لكن المقاومة لا تغيّر الواقع بل تجعل الألم مضاعفًا، لأنك لا تعيش الحدث فقط، بل تحاربه في داخلك.

الرضا لا يأتي فجأة

لا أحد يصل للرضا في لحظة.
هو ليس قرارًا تقول فيه “أنا راضٍ” وينتهي كل شيء.
بل رحلة داخلية، تمر فيها بمراحل كثيرة.
تبدأ بالرفض، ثم الغضب، ثم الحزن، ثم محاولة الفهم ومع الوقت، يبدأ شيء داخلك يهدأ.
ليس لأنك فهمت كل شيء بل لأنك تعبت من المقاومة.
وهنا يظهر الرضا كراحة، لا كفكرة.

حين تثق أن كل شيء له معنى

أعمق ما في الرضا ليس القبول فقط، بل الثقة.
أن تؤمن أن ما حدث، رغم ألمه، يحمل معنى لا تراه الآن.
ربما خسرت شيئًا كنت تظنه كل شيء، وربما تأخر عنك شيء كنت تنتظره بشدة،وربما تغير طريقك بالكامل لكن مع الوقت، ستكتشف أن بعض ما ظننته خسارة كان حماية،وبعض ما تأخر كان يحتاج توقيتًا أفضل،وبعض ما تغير كان يقودك لشيء لم تكن لتصل له لوبقيت كما أنت.

السلام الذي يأتي بعد القبول

حين تصل لمرحلة الرضا لا تتغير حياتك فجأة،لكن يتغير إحساسك بها.
تتوقف عن السؤال المستمر “لماذا؟”
وتبدأ تقول: “حسنًا هذا ما حدث، وأنا سأتعامل معه.”
هذا التحول البسيط يخفف الكثير.
لأنك لم تعد تقاوم الواقع، بل تعيشه.
والسلام الحقيقي لا يأتي عندما تصبح الحياة مثالية، بل عندما تصبح أنت أكثر هدوءًا داخلها.

كيف تعيش الرضا دون أن تفقد نفسك

الرضا لا يعني أن تتخلى عن أحلامك،ولا أن تقبل كل شيء دون محاولة تغييره.
بل يعني أن تعرف الفرق بين ما تستطيع تغييره وما لا تستطيع.
أن تبذل جهدك في الأول،وتتقبل الثاني دون أن تسمح له أن يكسر قلبك.
أن تعيش وأنت تسعى لكن دون خوف مفرط،تحب لكن دون تعلق يؤذيك،تخطط لكن دون أن تنهار إذا لم تتحقق خططك.

حين يصبح الرضا قوة

في النهاية، ستدرك أن الرضا ليس ضعفًا كما كنت تظن بل قوة داخلية هادئة.
قوة تجعلك تمر من أصعب المواقف دون أن تفقد نفسك،تجعلك تتقبل دون أن تنكسر،وتكمل حتى حين لا تفهم.
ستنظر لما مررت به يومًا، وتدرك أن كل شيء، رغم قسوته،كان يهيئك لنسخة أقوى منك.

الطمأنينة التي لا تُشرح

هناك شعور يصل له من يتقن الرضا لا يمكن وصفه بسهولة.
هدوء داخلي،ثقة غريبة،راحة لا تعتمد على الظروف.
وكأنك أخيرًا توقفت عن الركض خلف الحياة،وبدأت تعيشها كما هي.
الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.