همسة خواطر (2)

هل يسمع الله دعائي وأنا مقصّرة؟

شخص يرفع يديه بالدعاء على تلة مرتفعة وقت الغروب أمام مسجد في مشهد روحاني هادئ
حتى مع التقصير هناك من يسمعك دون أن تشرح كل شيء
السؤال الذي نخاف أن نقوله

لم يكن هذا السؤال جديدًا، لكنه كان دائمًا مؤجلًا، يمرّ في داخلك كظل خفيف، ثم تختارين أن تتجاهليه، كأنك تخافين أن تسمعيه بصوت واضح. لكن في لحظة ضعف، لحظة صدق لا يمكن الهروب منها يخرج.
هل يسمعني الله فعلًا وأنا لست كما يجب؟
ليس لأنك لا تؤمنين، بل لأنك تعرفين نفسك جيدًا، تعرفين تفاصيلك التي لا يراها أحد، تلك الأخطاء التي تكررت، ذلك التقصير الذي حاولت إصلاحه ولم يكتمل، وتلك المحاولات التي بدأت وانتهت دون أن تغيّرك كما كنتِ تأملين.
ولهذا، يصبح الدعاء مختلفًا ليس خفيفًا كما كان، بل مترددًا، كأنك ترفعين يديك وفي داخلك سؤال لا تريدين مواجهته.
هل أنا قريبة بما يكفي ليُسمع صوتي؟

بين اليقين والشك الصامت

في داخلك يقين لا يمكن إنكاره، أن الله يسمع كل شيء، حتى ما لا يُقال، حتى ما لا يُفهم، حتى ما لا يُعبّر عنه بكلمات. هذا اليقين موجود، راسخ، لا يتغير.
لكن بجانبه، هناك شعور خفي صامت يشوشه.
تدعين، لكنك لا تشعرين بالاطمئنان كما كان، تتكلمين، لكن جزءًا منك يتساءل بصوت منخفض: هل يُستجاب لي وأنا بهذا الحال؟
هذا الصراع لا يظهر، لا يُقال لأحد، لكنه يعيش داخلك، يجعل الدعاء ثقيلًا، يجعل الكلمات تخرج وكأنها تبحث عن تصديق.
وكأنك واقفة بين بابين باب تؤمنين به، وباب تخجلين منه.

حين يتحول الذنب إلى صوت داخلي

الذنب لا ينتهي عند لحظة الخطأ، بل يبدأ بعدها بشكل آخر. يتحول إلى صوت داخلي يرافقك، يذكّرك، يعيد المشهد، يكرر اللوم، ويضعفك أكثر مما كنتِ عليه.
كلما حاولت الاقتراب، قال لك هذا الصوت: أنتِ تعرفين نفسك كيف تطلبين؟
وهنا تبدأ المسافة.
ليس لأن الله بعيد، بل لأن هذا الصوت جعلك تظنين أنك أنتِ من لا يحق لك الاقتراب.
فتصمتين بدل أن تدعين.

الله الذي تعرفينه والرحمة التي تنسينها

أنتِ تعرفين أن الله رحيم، تسمعين ذلك كثيرًا، تقرئينه، ترددينه، تؤمنين به. لكن حين يأتي الدور عليكِ تنسين.
تتعاملين مع نفسك وكأنك استثناء، وكأن رحمة الله تسع الجميع إلا أنتِ.
وهذا ليس تواضعًا كما يبدو، بل قسوة خفية، قسوة ترتدي شكل الخجل، لكنها في الحقيقة تضع بينك وبين الله مسافة لا داعي لها.
لأن الله الذي تعرفينه، لا يقيسك بكمالك، بل بصدقك، ولا ينتظر منك أن تكوني بلا خطأ، بل أن تكوني قريبة رغم الخطأ.

القبول لا يُشترط بالكمال

من أين جاءت هذه الفكرة الثقيلة أن القبول يحتاج كمالًا؟
من قال إن الدعاء يحتاج نسخة مثالية منك؟ من قال إن الله يسمع فقط من لم يخطئ؟
لو كان الأمر كذلك، لما بقي أحد.
الدعاء خُلق للحظة الضعف، للحظة التي لا تملكين فيها شيئًا إلا كلماتك، للحظة التي تكونين فيها في أسوأ حالاتك لا أفضلها.
الدعاء ليس مكافأة للطائعين بل باب مفتوح لكل من احتاج.

حين تدعين رغم كل شيء

أجمل لحظة ليست حين تدعين وأنتِ قوية، بل حين تدعين وأنتِ مكسورة، حين ترفعين يديك رغم شعورك أنك لا تستحقين، حين تقولين “يا رب” وأنتِ لا تملكين يقينًا بنفسك لكنك تملكين يقينًا به.
هذه اللحظة تحديدًا ليست ضعفًا، بل صدق.
صدق لا يُرى، لكنه يصل.

الرحمة التي تسبقك

الله لا ينتظر منك أن تطرقي الباب بإتقان، ولا أن تختاري الكلمات المناسبة، ولا أن تكوني في أفضل حال. رحمته ليست رد فعل بل بداية.
رحمته تسبقك.
تسبق دعاءك، تسبق ندمك، تسبق حتى تلك الفكرة التي خطرت لك فجأة أنك تريدين العودة.
أنتِ لا تذهبين إلى الله لأنك تستحقين بل لأنك تحتاجين، وهو يعلم ذلك قبل أن تقولي شيئًا.
لماذا نشعر أننا غير مستحقين؟
لأننا ننظر إلى الله بعيوننا نحن. نحن لا نسامح بسهولة، لا نقبل بسهولة، فنظن أن الله مثلنا.
لكن الله ليس كذلك.
الله لا يتعامل معك كما تتعاملين مع نفسك، لا يحاسبك بنفس القسوة التي تعاقبين بها روحك، لا يغلق الباب لأنك أخطأت، ولا يرفضك لأنك تأخرت.
هذا الشعور بعدم الاستحقاق ليس حقيقة، بل انعكاس داخلي.

الدعاء الذي لا يُرفض

ليس هناك دعاء يضيع، قد لا يأتي كما تتوقعين، قد يتأخر، قد يتغير شكله، لكنه لا يُهمل.
الله يسمعك حتى حين لا تشعرين.
يسمعك حين تتكلمين، وحين تصمتين، وحين تبكين دون صوت، وحين لا تعرفين كيف تعبّرين عما داخلك.
حتى تلك المشاعر التي لا تتحول إلى كلمات تصل.

بين الخجل والرجوع

الخجل شعور جميل إذا قادك إلى الله، لكنه يصبح ثقيلًا حين يمنعك منه.
لا تدعي خجلك يتحول إلى حجاب، لأن الله لا يريدك أن تختفي، بل أن تعودي.
حتى لو كان دعاؤك بسيطًا، حتى لو لم تعرفي ماذا تقولين، حتى لو كان كل ما تستطيعينه هو كلمة واحدة يا رب.
هذه الكلمة تكفي.

حين تشعرين أن الدعاء لا يغيّر شيئًا

تمر لحظات تشعرين فيها أن الدعاء لا يغير الواقع، أن كل شيء كما هو، أن تعبك مستمر، وأنك تدعين دون أن تري نتيجة.
وهنا يبدأ الشك من جديد.
لكن الحقيقة التي لا ننتبه لها أن الدعاء لا يغير فقط ما حولك، بل يغيرك أنتِ.
يخفف عنك، يهدئك، يعيد ترتيب داخلك، حتى لو لم يتغير الخارج مباشرة.
أحيانًا، الاستجابة ليست في الحدث بل فيك.

اللحظة التي يتغير فيها كل شيء

في لحظة ما، ستتعبين من هذا الصراع، من التفكير، من الشك، من الشعور أنك بعيدة رغم أنك تحاولين.
وستدعين دون شروط.
لن تسألي: هل يُقبل؟ لن تفكرين: هل أستحق؟ فقط ستقولين ما في قلبك.
وهنا يحدث التحول.
لأنك أخيرًا لم تعودي تحاولين أن تكوني مثالية بل أصبحتِ صادقة.

الله يسمعك كما أنتِ

في النهاية، الحقيقة أبسط مما تتخيلين.
الله يسمعك وأنتِ مقصّرة. يسمعك وأنتِ ضعيفة. يسمعك وأنتِ تحاولين.
لا يحتاج منك نسخة كاملة بل قلبًا حاضرًا.
وكل مرة تقولين فيها يا رب أنتِ أقرب مما تظنين.

الطريق الذي لا يُغلق

الرجوع ليس لحظة واحدة، بل طريق، قد تتقدمين فيه، وقد تتأخرين، قد تضعفين، ثم تعودين.
لكن الفرق الآن أنك تعرفين.
تعرفين أن الباب لا يُغلق، أن الله لا يملّ من سماعك، حتى لو كررتِ نفس الدعاء، ونفس الخطأ، ونفس الرجوع.
تعرفين أن كل مرة تعودين فيها هي بداية جديدة.
وهذا وحده يكفي.
يكفي لتدعي، حتى لو لم تكوني مثالية. يكفي لتقتربي، حتى لو شعرتِ أنك بعيدة. يكفي لتؤمني أن صوتك يصل.

الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.