همسة خواطر (2)

هل الكذب الأبيض الكذب على الناس مبرر؟ عندما تتحول المجاملات الزائدة إلى أذى صامت

هل الكذب الأبيض مبرر؟ عندما تتحول المجاملات الزائدة إلى أذى صامت

الكذب الأبيض يشبه السكر الزائد، يضيف طعماً لحظياً لكنه يترك أثراً ساماً مع الوقت.


تخيل كوبًا من الشاي يطلبه أحدهم مُرًّا ويأتيه مُحمّلًا بملعقةٍ بعد أخرى من السكرقد يبتسم لأول رشفة لكن بعد ثوانٍ يتغيّر الطعم تتحوّل النكهة من متعة إلى ثِقل ومن استمتاع إلى اشمئزاز وهكذا تمامًا هو الكذب الأبيض، والمجاملات الزائدة عن حدّها طعمٌ مؤقتٌ جميل لكنها تفسد الذوق، وتسمّم الثقة على المدى الطويل.

 الكذب على الناس

هوذلك الكذب الأبيض الذي يقال بدعوى عدم جرح المشاعر لا يبدو مؤذيًا في بدايته بل قد يبدو في ثوبه الجديد لُطفًا راقيًا وذوقًا عاليًا لكن الحقيقة هو مجاملة مفرطة تُخفي خلفها شيئًا غير واضح: خوف، ضعف، نفاق، أو مصلحة لا تُقنعني أنك تُجامل بدافع الحب فقط فالمجاملة التي تقتل الصدق لا تُبقي حبًا، ولا تصنع احترامًا.
ليس كل مجاملة تُقال هي دليل على التقدير، بعضها قناع يُقال حتى لا تخسر موقفًا، أو شخصًا، أو فرصة وبعضها يُقال فقط لأن الصمت قد يُحرجك، لكن الكلام الزائف يُحرج من يسمعه على المدى البعيد.
  • هل فكّرت يومًا أن تلك الكلمات الجميلة التي تُلقيها دون قناعة، قد تبني لدى الآخر آمالًا وهمية؟
  • وقد تمنحه انطباعًا كاذبًا؟
 وقد تجعله يثق بك أكثر مما يجب، فإذا بالواقع يُصفعه ذات يوم، ويُصفع بك معه المجاملة إذا زادت عن حدّها تحوّلت من ذوقٍ إلى كذبٍ ناعم. والكذب الأبيض إذا تكرّر، صار سلوكًا، لا نية طيبة.

لا أحد يطلب منك أن تكون جارحًا

 لكن لا تكن مُزيفًا يمكنك أن تقول الحقيقة بلُطف،أن ترفض باحترام أن تُبدي رأيك بأدب، أن تُعبّر عن مشاعرك بوضوح دون أن تُحرج أو تُهين الناس لا تنهار من الحقيقة، بقدر ما تنهار من الصدمة المتأخرة من الوهم الطويل، من المجاملة التي استمرت حتى صارت علاقة من الكذب الأبيض الذي تراكم حتى أصبح جبلًا من الخداع.

تلك الصدمات لا تأتي من خصمٍ مباشر،بل من شخصٍ كنت تظنه صادقًا ولم تكتشف أنه يجامل فقط إلا بعد أن فات الأوان.
  • هل جرّبت يومًا أن تفرح بكلمةٍ قيلت لك، ثم تكتشف لاحقًا أنها قيلت لكل أحد؟
  • هل شعرت يومًا أنك كنت في مكانة مميزة،ثم عرفت أنك كنت مجرّد رقم في قائمة المجاملات؟
هذا هو شعور السمّ البطيء، لا يُميت فورًا، بل يترك أثرًا يُفسد الذوق، ويُعلّمك أن لا تثق في الكلمات بل في المواقف كم من علاقة انهارت لأنها بُنيت على المجاملات، لا على المصارحة وكم من صداقةٍ تفكّكت لأنها اعتمدت على إرضاء متبادل، وليس على صدقٍ متبادل.

 الصدق قد يُزعج لحظة

لكن المجاملة المفرطة تقتل تدريجيًا تقتل الوضوح، تُفسد القرب، وتجعل كل كلمة لاحقة مشكوكًا فيها الكذب الأبيض ليس براءة، ولا فضيلة هو كذب، لكنه يلبس ثوب التجمُّل، ويختبئ خلف النية الطيبة لكن النية الطيبة لا تُبرر الخداع ولا تُنقذ المواقف حين تتكشّف الحقائق بل أحيانًا تكون أقسى خيباتنا من أناسٍ قالوا لنا ما نُحب أن نسمع، لا ما يجب أن نعرف.
المجاملة ليست دائمًا عطاء، بل أحيانًا هي نوع من الأنانية، لأنك تُرضي نفسك وتتجنّب المواجهة وتدفع ثمن ذلك مَن يُصدّقك كن صريحًا لكن لا تكن قاسيًا كن نقيًا لكن لا تكن ساذجًا واجعل كلامك مرآة لنيّتك، لا لارتباكك أو مصلحتك.

يا قارئ كلماتي تذكّر

أن تكون صادقًا لا يعني أن تكون لاذعًا، وأن تُجامل لا يعني أن تكذب. وازن بين الوضوح واللُطف
ولا تجعل المجاملة وسيلة للهرب لأنك حين تهرب بالكلام الحلو، قد تبني جسورًا من وهم، ثم تجد نفسك أول من يغرق بها.

اكتب لي:

  • هل مررت بتجربة شعرت فيها أن المجاملة كانت كذبًا؟
  • هل كنت يومًا ضحية كلامٍ جميل، ثم اكتشفت أنه لا يعني شيئًا؟
  • هل سبق أن جاملت مجاملة تندم عليها؟
فالكلمة منك قد تُوقظ شخصًا ما زال يظن أن الكذب الأبيض لا يُؤذي.
الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.