همسة خواطر (2)

حين يصفّق الناس للفراغ

حين يصفّق الناس للفراغ
في زمنٍ يُصفّق فيه الناس لما يلمع يبقى النور الحقيقي خلف الستار ينتظر من يُبصره.
 

في زمنٍ صاخبٍ بالصوت لا بالفكرأصبحت الشهرة بابًا مفتوحًا على مصراعيه يدخل منه كلّ من يملك جرأة الظهور لا عمق الفكرة زمنٌ يُصفّق فيه الناس لمن لا يقول شيئًا ويغفلون عمّن يزرع معنى في صمتٍ أنيق تفتح هاتفك، فتجد موجاتٍ من المحتوى تتدافع كالأمواج.
لكنّ بعضها يحمل زَبَدًا يعلو ثم يزول، وقليلٌ منها يحمل نورًا يبقى في الذاكرة.ذاك هو المحتوى الهادف، الذي يخرج من روحٍ نقيّة تبحث عن المعنى، لا عن التصفيق.

 أكثر ما يُنفق من الوقت في تتبّع التفاهة وما أقلّ ما يُستثمر في بناء الفكر والوعي 

تغدو الشهرة اليوم نتيجة ضجيجٍ لا رسالة والمشاهدات حصاد إثارةٍ لا معرفة بينما يقف أصحاب الكلمة الصادقة على الضفة الأخرى،يتأمّلون المشهد بصمتٍ يشبه الحكمة وفي قلوبهم تساؤل واحد: هل انتهى زمن القيمة، أم اختار الناس أن يغمضوا أعينهم عنها؟
حين يكون معيار النجاح هو عدد المتابعين لا عدد المستفيدين، ينقلب الميزان وتضيع البوصلة فبدل أن نسأل: ماذا قدّم هذا الإنسان؟ صرنا نسأل: كم عدد من صفق له؟ وتلك هي بداية السقوط الأخلاقي في منظومة الإعلام الحديث.
في المنصّات اللامعة، ترى الوجوه تتشابه، الابتسامات المكرّرة، العبارات المنسوخة،لكنّك تبحث طويلًا عن فكرٍ جديد أو قيمةٍ حقيقية كأنّ الوعي أصبح مهنة منقرضة،والعمق صار تهمةً لا فضيلة.

ولك أن تتأمّل المحتوى الهادف

كيف صار الفراغ نجمًا، وكيف يقتات ملايين العقول على ما لا يُغذّي الروح ولا يُنمّي الفكرفي زمن المؤثرين قلّ من يؤثّر حقًا، وكثُر من يُزيّف التأثير أمام عدسةٍ تخدع وتُلمّع وتبيع الوهم على أنه حياة.
 ليس مجرّد نصٍ جميل أو مشهدٍ أنيق، بل رسالة تُوقظ الإنسان من سباته الرقمي،تُعيد إليه علاقته بنفسه، وبالله، وبالحياة إنه المحتوى الذي يجعلك بعد مشاهدته أو قراءته تقول في نفسك قد تغيّرتُ قليلًا نحو الأفضل.

أما المحتوى غير الهادف

 فهو الذي يسرق منك وقتك، وهدوءك، ووعيك،ويتركك أكثر فراغًا مما كنت إنه كالسكر الزائد في الجسد لذّته لحظة، وأثره دمار ولعلّ أخطر ما فيه أنه يُعيد تشكيل ذائقة الجيل الجديد، حتى يصبح العبث طبيعيًا، والجدّ غريبًا.
أذكر حين كنتُ أتابع بعض الوجوه الصاعدة، تلك التي ملأت الشاشات ضجيجًا دون معنى كيف كانت كلماتهم تُصفّق لها الحشود كأنها وحيٌ من سماء، بينما هي لا تحمل سوى فراغٍ ملوّنٍ بالأضواء شعرتُ حينها أنّ المشهد الإعلامي يشبه مسرحًا كبيرًا، يقف عليه ممثلون بلا نص ويجلس الجمهور مأخوذًا بالبريق لا بالمضمون.

وحين يُسأل أحدهمة ما رسالتك؟

يصمت لحظة ثم يبتسم كأن السؤال غريب لقد صار السؤال عن الرسالة في عالم المحتوى أشبه بالسخرية وصار الوعي نغمةً نشازًا في حفلة التصفيق للسطحية ومع ذلك لا أُؤمن أن النور يُطفأ فبين هذا الزحام لا تزال هناك أرواح تكتب وتنشر وتؤثر بصمت تؤمن أن الكلمة يمكن أن تُعيد التوازن لهذا العالم وأن مقطعًا هادفًا قد يُنقذ قلبًا من الانكساروأن خاطرة صادقة قد تزرع في إنسانٍ مجهولٍ بذرة حياة.
هذا هو الفارق بين من يصنع ضجة ومن يصنع اثرًالأول يُشعل لحظة ثم ينطفئ، والثاني يُضيء عمرًا ثم يُورّث فكرًا فالمحتوى الهادف لا يبحث عن الانتشار، بل عن البقاء لا يلهث وراء الشهرة، بل وراء الأثر الصادق هو لا يتسوّل الإعجابات، بل يُقدّم رسالة تنبع من الإيمان بالقيمة.
كم من مؤثرٍ ظنّ أن المجد في الأرقام، فاختفى حين تبدّلت الخوارزميات،وكم من كاتبٍ بسيطٍ كتب بصدقٍ فبقيت كلماته بعد رحيله كنبضٍ لا يموت الفرق بينهما أن الأول تحدّث ليمتلك القلوب، والثاني تحدّث ليُحرّرهاوهنا يكمن سرّ الخلود في زمنٍ سريع الزوال إنّ صناعة المحتوى ليست ترفًا، بل مسؤولية أخلاقية وفكرية هي مرآةُ وعي الأمة، وقياسٌ لمستوى ذوقها الجمعي فحين يعمّ الضجيج، تبهت الأصوات الصادقة، لكنها لا تختفي، لأنّها أعمق من أن تذوب.
سيمضي هذا الزمن كما مضت أزمنة كثيرة قبله، وسيبقى ما كان نقيًّا في جوهره لأنّ الناس  رغم كل شيء يعودون دائمًا إلى المعنى حين يملّون من السطح سيكتشفون أنّ التصفيق لا يُغني عن الحقيقة، وأنّ المحتوى الذي يبني،هو وحده الذي يستحق البقاء في ذاكرة الإنسان.

 وفي النهاية

لن تُقاس قيمتك بعدد المشاهدات، بل بعدد الأرواح التي مستها كلمتك، بعدد القلوب التي ألهمتها بعدد الخطوات التي خطاها أحدهم نحو النور لأنك كنتَ سببًا فيها فابذل من فكرك كما يبذل النور ضوءه، ولا تبالِ إن لم يُصفّق لك أحد، فالأشجار لا تُصفّق وهي تُثمر لكنّها تمنح الحياة بصمتٍ عظيم.

الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.