همسة خواطر (2)

لماذا تتأخّر الأشياء التي ندعو بها كثيرًا؟

رجل يرفع يديه بالدعاء وقت الغروب بحثًا عن سبب تأخر الأمنيات واستجابة الدعاء – صورة دينية تعبر عن الأمل والصبر
أحيانًا تتأخر الأمنيات التي ندعو بها كثيرًا، لا لأنها بعيدة، بل لأن الله يختار لها الوقت الأجمل لتسكن قلوبنا بسلام
 

هناك لحظات نشعر فيها أن الدعاء يصعد…لكن الحياة تبقى كما هي


نرفع أيدينا بثبات، ونهمس: “يا رب”، ونعيد الهمس نفسه في الصباح،وفي الليل،وفي كل مرة ينكسر شيء في الداخل
ومع ذلك…لا يتبدّل شيء كما أردنا فنظنّ أن التأخير علامة على البُعد،أو على أن رسائلنا لم تصل،أو أن نصيبنا
يتوارى خلف غيمٍ لا ينقشع.

لكن الحقيقة مختلفة تمامًا…أشدّ جمالًا مما نتصور،وأكثر رحمة مما نتخيّل.الله لا يؤخّر شيئًا عبثًا،ولا يحجب عنك أمرًا
لأنك لست أهلًا له،ولا يترك قلبك معلّقًا بين الرجاء والانتظارليؤلمك،بل ليُنمّيك.

التأخير ليس عقابًا،بل إعادة تشكيل هادئة لما في داخلك، حتى لا تأخذ النعمة بقلبٍ متعب، أو خوفٍ متراكم، أو نظرةٍ ناقصة للحياة.
أحيانًا لا تتأخر الإجابة،نحن الذين لم نكتمل بعد نحتاج إلى لحظة وعي،أو خطوة شجاعة،أو دمعة تطهّر،أو ابتعادٍ عن شيء يستهلكنا،
قبل أن يأتي ما نريده بأجمل صورة الله يرى ما وراء حدود أعمارنا،يرى مقامنا حين نكبر،يرى ما يصلح قلوبنا،وما يكسرنا،وما ينقذنا من أنفسنا.

نحن ندعو ليأتي الشيء الآن،والله يؤخّره لأنه يريد أن يهيّئ لك حياة لا تندم عليها بعد سنوات يريد أن يحفظك من قرارٍ متعجّل،
ومن حبٍّ لا يشبه روحك، ومن بابٍ لو فُتح في وقتٍ خاطئ لأغلق ألف بابٍ بعده التأخير ليس فراغًا، بل مساحة يعمل الله فيها بصمت،يغيّر فيها مسارات، ويصرف شرورًا،ويقرب أرزاقًا، ويبعد عنك ما لم تكن تراه،ويهيّئ قلبك ليحمل ما سيأتي.

كل هذا يحدث وأنت تظن أن شيئًا لا يحدث.
في اللحظة التي تقول فيها:
“يا رب، لقد تأخّر كل شيء”،
قد يكون الله يقول للملائكة:
“امنحوه ما يستحق…
لكن حين يطمئن قلبه،
لا حين يطلب بلهفة.”

فالطمأنينة قبل العطاء رحمة،والنضج قبل الوصول نعمة، والثبات قبل الفرج هدية لا يراها إلا من صبر.
وحين يأتي ما دعوتَ به،في الوقت الذي يختاره الله،لا في الوقت الذي اخترته أنت،ستنظر إلى الخلف وتقول:
الحمد لله أنه لم يُجبني يوم كنتُ أظن أني أعرف مصلحتي.
الحمد لله أنه أخرّ ما تمنّيت حتى لا يأخذه مني قلبي قبل عقلي.
الحمد لله أن الخيرة كانت فيما لم أفهمه،
ولم أطلبه،ولم أتوقعه.

التأخير ليس نهاية، بل صناعة بداية جديدةيُهيّئها الله لك بصبرٍ منك…وبرحمةٍ منه.
فاطمئن ما دام الدعاء قائمًا،فالأبواب ليست مغلقة والله لا ينسى أحدًا طرق بابه بصدق.





الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.