همسة خواطر (2)

النبرة حين تُفصح قبل الكلمة

النبرة حين تُفصح قبل الكلمة
       النبرة حين تُفصح قبل الكلمة حيث يُقاس الصدق من نغمة الصوت لا من حروفه، وتظهر البصيرة قبل اللفظ
 
يجهل الناس حتى الآن أن النبرة تصل قبل الكلمة أن الصوت لا يحتاج إذنًا ليمرر ما يخفيه القلب من نوايا ولا ما تنكّرت له الحروف من نفاق أو صدق أو جفاء النبرة تفضح تسبق، تكشف وتعطّل تعطّل سير الكلمات كلّها تقطع الطريق على الحُججوتُسقط الأقنعة التي صُمِّمت بعنايةٍ لتتماشى مع النصّ لا مع الإحساس صوتك هو أول من يتكلم نيابة عنك حتى وإن صمتت لبرهة صوتك يُفصح عنك أكثر مما تظن 
  • فهل جرّبت يومًا أن تسمع جملة أنا بخير بصوتٍ مكسور؟
  • هل شعرت أن الحرف كان ثقيلًا على اللسان؟
  • أن الباء خرجت كأنها تنهيدة؟
  • أن الخاء تاهت في هواء الصدر، ولم تسعفها الرغبة في الحياة؟
  • أن الياء ارتعشت؟
  • وأن الراء كانت أشبه بنداء لا رجع فيه؟
تلك ليست كلمةً عابرة إنها نبرة قالت كل شيء، قبل أن تقول أنا بخير.

أيها القارئ العزيز

دعني أقول لك شيئًا يعرفه قلبي جيّدًا، وتجهله أغلب الأرواح المنشغلة بالمظاهر الحروف تخدع، الكلمات تُؤلّف، الجُمل تُرتّب لكن الصوت لا يُزيَّف.
  • وكم من أهلاً قيلت بلحن بارد، فكانت أشدّ قسوةً من الصمت!
  • وكم من مع السلامة نطقت بها روحٌ ترتجف من الشوق، فأبكت القلب وهي تلوّح مودّعة!
  • وكم من لا بأس سقطت من فم مُنهار، وفضحتها ارتجافة في النغمة، أو انكسار خفيف في الحرف الأخير.

يا صديقي

تعال نتصافح بصمت، ونتأمل نبراتنا بدل أن نبحث عن مفاتيح الحروف دعنا نصغي لأصواتنا، لا لكلماتنا دعنا نُدرِك أن اللهجة هي ذاكرة الروح وأن ما لم يُقال صراحة، يُقال كلّه في النبرة أنا لا أتحدث عن علم الصوت، ولا عن طبقات الترددات،أنا أتحدث عن روح اللغة عن ذلك الشيء الذي لا يُلمس ولا يُشرح ولا يُقاس، لكنّه يُشعَر بعمقٍ جارح.
حين يُحدّثك أحدهم وهو ينظر بعيدًا ثم تنخفض نبرته فجأة، أتعرف ما حدث؟
لقد خاف أن يسمع هو نفسه ما ينطق به لأنه يعرف أن نبرته ستخونه، وستكشف هشاشته، وستفجّرالسدود التي بناها في وجه انكساراته.
أنا لا أخاف من الصمت أنا أخاف من الكلمات التي تُقال بصوت لا يشبهها من أحبك التي قيلت بجمود، ومن “أكرهك” التي خرجت بصوتٍ مرتعشٍ، لأن صاحبها لم يكن يكره بل يشتاق.
النبرة سلاح بيد المُحب، تُصبح همسةً تُذيب الجبال وبيد الجاحد، تُصبح طعنةً لا تترك أثرًا ظاهرًا، لكنها تُمزّق الداخل ببطء سأقولها لك بصوتٍ هادئ، لا تصدق الكلمة صدّق صوتها واقرأ في نغمة القائل ما لم يكتبه في نصّه النبرة لا تكذب،وإن فعلت خانها التردد.

وهنا في هذا المقام أدعوك أن تتأمل نفسك

  • كم مرة قلت لا بأس وأنت تبكي داخليًا؟
  • كم مرة قلت تمام وأنت تتمنى أن يسألك أحدهم إيش فيك؟
  • كم مرة ضحكت بصوتٍ مرّ، وتمنّيت لو أن صوتك لم يخذلك؟
كلنا فعلنا ذلك كلنا نتقن الكذب اللغوي ونفشل في تمويه الصوت لأن الحقيقة مهما هربنا منها، تتسرّب من نبرةٍ عابرة.
أنتبه لنبرة أمّك حين تقول أنا بس كنت أفكر فيك لأن صوتها قد يكون باكيًا ولو لم تذرف دمعة استمع لنبرة صديقك وهو يقول أنا مشغول شوي لعل في صوته صرخة شوق لكنه يخجل أن يبوح راقب صوتك حين تردّد كلماتك في المرايا قد تكتشف أنك لست بخير لا لأنك قلت شيئًا بل لأن صوتك خانك، وكشفك أمام نفسك.

أيها القارئ

أنا لا أكتب فقط لأُبكيك ولا لأجعلك تُشكك في كل من حولك بل لأوقظ فيك حاسّة سادسة أن تُصغي لما وراء الكلام أن تُنصت للنبرة لا للحروف فقط وأن تُدرك أن بعض الناس يقولون أحبك بصوتٍ أشبه بالتأفف وآخرون يقولون ما أقدر أعيش بدونك بصوتٍ لا يحمل حرارة الحياة.
والنبرة ليست فقط ما يُفضح بل ما يُغفر أيضًافأحيانًا يخطئ أحباؤك في التعبيرلكن نبرتهم تحمل رجاءً واعتذارًا خفيًا فلا تقف عند الكلمة بل أنصت لصوتها.
وأحيانًا يتلعثم المحبّ ويتردّد المشتاق ويبدو كلامه مرتبكًا لكنه نطق بجملة واحدة كانت نبرته فيها كفيلة بأن تُنهي كل خلاف وتبدأ كل سلام.
ودعني أقول لك ما لن يقوله الكثيرون تكلّم بنبرة قلبك لا بنغمة المظاهر فالصوت الصادق لا يحتاج زخرفة والكلمة الحقيقية لا تحتاج تبريرًا افهم نفسك وتعلّم أن تسمع من حولك بأذنك وقلبك معًا فالعالم لا يُبنى بالحروف بل بما وراءها وهذا السرّ البسيط لا يدركه إلا الذين يسمعون بأرواحهم.فهل أنت منهم؟
الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.