همسة خواطر (2)

كيف أتعامل مع التفكير الزائد بعد الانكسار؟

كيف أتعامل مع التفكير الزائد بعد الانكسار؟
                            تأثير التفكير الزائد بعد الانكسار وكيف يرهق الروح ويأخذ السلام الداخلي
 
كان يمكن للحياة أن تمرّ بشكل عادي لو لم يكن القلب مخلوقًا حساسًا يلتقط كل شيء، ولو لم تكن التفاصيل الصغيرة قادرة على ترك أثرٍ يشبه الندبة في عمق الروح.

الانكسار العاطفي

بعد الانكسار العاطفي  لم أعرف أين أضع قدمي، ولا أين أضع مشاعري، ولا كيف أتعامل مع تلك المساحة الجديدة التي اتسعت داخلي فجأة أصبحت مساحة فارغة، تشبه الطرقات التي تخلو من الناس بعد منتصف الليل.
كنت أظن أن الألم سيهدأ بالصمت، لكن الصمت كان أكبر من أن أسيطر عليه كان كحجرة تتدحرج في صدري تُوقظ التفكير الزائد من سباته وتجعله يلاحقني كظلّ طويل لا يبتعد.

كل ليلة كنت أعود إلى نفس الأسئلة التي لا تنتهي

  • لماذا حدث كل هذا؟
  • لماذا تغيّرت العلاقة فجأة؟
  • هل كنت مخطئ؟
  • أم أنني أعطيت أكثر مما يحتمل قلبي؟
ومع كل سؤال، كنت أشعر بامتداد ذلك الفراغ فراغ يشبه الوقوف على حافة ذاكرة موجعة وكل خطوة فيها تعيدني إلى لحظة لم أكن أتوقع أن تنكسر فيها ثقتي، ولا أن أشعر فيها بتلك الوحدة والخوف وأعترف لم يكن أصعب ما مررت به هو الرحيل، بل ذلك التجاهل العاطفي الذي سبق الرحيل في صمت.

التفكير الزائد

وكأنه كان رسالة مبطّنة تقول أنت وحدك الآن، حتى وأنا بين يديك ذلك الشعور بـ التهميش. كان السهم الأول الذي اخترق قلبي، وكان الشرارة الأولى التي أشعلت التفكير الزائد ذلك التفكير الذي كنت أحاول الهرب منه بكل الطرق الممكنة.
أحاول أن أنام  فأعود لأفتح باب الأسئلة أحاول أن أنشغل فتقفز صورة، أو كلمة، أو موقف ليعيدني إلى البداية تعبتُ من الركض في داخلي تعبت من مواجهة نفسي كل ليلة، وتعبت من فرط التعلّق الذي لم أعرف أنه يستهلكني حتى فقدت القدرة على التنفّس بسلام لكن شيئًا ما تغير. 

حين سألت نفسي سؤالًا لم أطرحه من قبل هل التفكير الزائد يحاول أن يقتلني أم يحاول أن يحميني؟

ولأول مرة، كنت صادق بما يكفي لأرى الحقيقة التفكير الزائد لم يكن عدوّي، بل كان صوتًا من أعماقي يحاول فهم ما لم يُفهم ويريد أن يضع نهاية لحكاية. كانت تمشي على ألمٍ طويل شيئًا فشيئًا فبدأت أفهم أن التفكير الزائد مرحلة ضرورية لـ التعافي، مثل البكاء، مثل الارتباك، مثل الضعف الأول مثل تلك الليلة التي تتخيلين فيها أنك لن تنجو ثم تستيقظ اليوم التالي على بصيص نور.
وعرفت أن شفاء المشاعر ليس قرارًا لحظيًا، وأن شفاء القلب ليس وعدًا يحدث بمجرد أن نقول سأتجاوز، بل هو رحلة طويلة تبدأ من مواجهة الألم ولا تنتهي إلا حين تعود إلى نفسك وأنت أقوى مما كنت بدأت أتعامل مع التفكير الزائد كما أتعامل مع موجة بحر عالية أسمح لها بالصعود، لكنني أعلّم نفسي ألا أسمح لها بابتلاعي.

الفكرة الثقيلة

 لا أهرب لا أصرخ لا ألوم نفسي بل أقول لها بهدوء أعرف أنك جئت لأن شيئًا في داخلي لم يُرتّب بعد لكنني لن أسمح لك أن تسحبني للوراء.
أحيانًا أكتب الفكرة على ورقة ثم أطوي الورقة ببطء، في إشارة صامتة إلى عقلي أن هذا الباب أقفلته بإرادتي وأحيانًا أتحدث مع نفسي كما لو أنني أضم قلبي بين يدي اهدئي يا أنا كل هذا العصف سيهدأ، وكل هذا الخوف سينتهي، وكل ما تتمني سيأتيك حين تصبح أقرب إلى نفسك وأبعد عن الألم.

الثقة بالنفس

ولأن الحياة لا تتوقف على علاقة واحدة ولا على خسارة واحدة ولا على لحظة واحدة، بدأت أتعلم معنى الثقة بالنفس من جديد تعلمت كيف أبنيها من التفاصيل الصغيرة بخطوة ثابتة بابتسامة حقيقية بقدرة على حمل نفسي وبقرار ألا أعود للمكان الذي شعرت فيه بـفقدان الأمان.
كنت أظن أنني ضعيف، لكن بعد الانكسار اكتشفت أنني لم أكن ضعيف أبدًا كنت فقط متعب والتعب شيء والانكسار شيء والقوة التي تأتي بعدهما شيء آخر تمامًا.
القوة الحقيقية هي أن تنهض من تحت الرماد وأنت تحمل بداخلك سلامًا داخليًا لم يلمسه أحد، ولم يعد بإمكان أحد أن يسلبه القوة الحقيقة هي أن تنظر إلى مرآتك وترى كم عانيت، وسقطت، وتألمت، لكنك عدت واقف، تتنفس، وتبتسم،وتؤمن أن الله لا يبتلي إلا ليجبر، ولا يأخذ إلا ليعطي، ولا يجرح إلا ليطهّر، ولا ينهي شيئًا إلا لأنه يريد أن يبدأ خيرًا منه وفي كل مرة يعود التفكير الزائد أضع يدي على صدري وأقول لنفسي كلمات أصبحت تشبه دواءً داخليًا

لن أغرق اليوم لن أنهزم لن أسمح للفكرة أن تأخذني لمكانٍ تركته

سأتعامل معها،وأعلّم نفسي أن الطريق ما زال طويلًا لكنني أسير فيه بخطوات ثابتة وهكذا بين الفكرة الأولى التي تؤلم، والفكرة الأخيرة التي تضيء، وبين لحظة الانهيار ولحظة التعافي، وبين بداية الحزن وبداية البداية الجديدة وجدت نفسي.
وجدت أن كل شيء يُكسر يمكن أن يُجبر، وكل شيء يُتعب يمكن أن يرتاح، وكل شيء ينطفئ يمكن أن يشعل في داخلي نورًا جديدًا تكفيني حقيقة واحدة لأطمئن أن الله يراني ومن يراه الله لا يتركك مكسور.

الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.