![]() |
| صورة غرفة ٧٩٩ كما ظهرت في القصة. ليس كل باب ينتظر يدًا لفتحه… بعضها ينتظر ذاكرة تعود |
لم أكن أخاف المستشفيات اعتدت رائحة المعقمات، أصوات الأجهزة، حتى وجوه المرضى التي تحمل بين تجاعيدها قصصاً لا تنتهي أنا طبيبة نفسية، من المفترض أن أكون الأكثر هدوءًا والأقل قابلية للفزع لكن هذا كان قبل أن أسمع لأول مرة رقمًا بسيطًا رقمًا جعل قلبي يضطرب بلا سبب واضح:٧٩٩.
في الأسبوع الأول من عملي في المستشفى الجديد، لاحظت شيئًا غريبًا في المصعد أزرار الأدوار من (١) إلى (٨)،لكن بين ٧ و٨، كان هناك زر صغير غير مضاء باهت، وإن اقتربت منه كثيراً رأيت الرقم المحفور عليه بخطّ باهت:٧٩٩.
مددت يدي مرة لأضغطه، لكنّ يد الممرضة التي كانت بجانبي سبقتني،أغلقت لوحة الأزرار بسرعة، وابتسمت ابتسامة مرتبكة:
لا تضغطي هذا، المصعد أحيانًا يعلّق قلت وأنا أنظر إلى يدها أكثر من نظري إلى وجهها:طيب وأي دور يأخذنا؟
تلعثمت: قديم مغلق ما عاد أحد يطلع له ثم غيرت الموضوع بطريقة فجّة، كأن الرقم نفسه محظور في الحديث.
لم أعتقد أن الأمر يستحق التفكير هناك دائماً غرف مغلقة، أدوار تحت الصيانة، أجنحة تُترك مهجورة لكن ذلك اليوم، حين خرجت من غرفة أحد المرضى في الدور السابع، لاحظت أن الممر يطول بطريقة غير منطقية خطواتي تتكرر،لكن العدد في رأسي يزداد أكثر من المسافة التي أقطعها في نهاية الممر، كان هناك جدار أبيض صامت، بلا نوافذ، بلا شيء.
مع ذلك، كان قلبي يقول:هنا كان يجب أن يكون باب اقتربتُ أكثر على ارتفاع منخفض، قرب الأرض تقريبًا، كان هناك رقم صغير محفور في الحافة السفلية للجدارمطموسًا بطبقات من الطلاء لكن يمكن قراءته إن دققت:٧٩٩.
سألتُ رئيس القسم في اليوم التالي، بطريقة عابرة: دكتور، الدور السابع هل كان فيه جناح قديم قبل؟ رفع رأسه قليلاً من الملفات، نظر إليّ بنظرة سريعة ثم عاد يدفن عينيه في الأوراق: المستشفى قديم، والخرائط تغيرت كثير ليش تسألين؟ لا شيء فقط حسّيت إن الممر هناك غريب قال ببرود مهنّي: التخيّل وارد في أول فترة عمل، خاصة مع ضغط الحالات لا تعطي الموضوع أكبر من حجمه.
أراد أن يغلق الحديث، لكن ما أغلقه هو باب فضوله لا باب فضولي.
بدأت أرى الرقم في كل مكان على ورقة تقرير قديم نُسي في غرفة الأرشيف:مريض رقم: ٧٩٩.
على ملصق نصف ممزق في درج مكتب قديم وجدته في زاوية القسم:غرفة ٧٩٩ يُمنع الدخول إلا بتصريح الإدارة حتى في دفتر المواعيد الإلكتروني، ظهر رقم الملف ٧٩٩ لثانية واحدة قبل أن يختفي من الشاشة كأنه خطأ تقني لكنني كنت متأكدة: الرقم ليس خطأ الرقم حيّ.
في ليلة مناوبتي الأولى، جلس المستشفى كما لم أره من قبل الممرات التي تضج بالخطوات نهارًا صارت خالية،الضوء الأبيض القاسي صار أهدأ،وصوت الأجهزة لحناً رتيباً يرافق التفكير كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل حين انقطع التيار لثوانٍ،ثم عاد.
كل شيء عاد كما هوإلا شيء واحد. في آخر الممر،حيث كان الجدار الأبيض،رأيت لمحة لشيء لم يكن موجودًا في النهار:انعكاس لوحة صغيرة على الحائط وبجانبها خيط من الضوء يتسلل من تحت شيء يشبه الباب أغمضت عينيّ، فتحتهما بسرعة الجدار كما هو لا باب لا لوحة، لا ضوء لكن الصوت الذي تلقيته بعدها لم يكن وهماً:خش خش خش صوت قلم يكتب على ورق من خلف الجدار.
في اليوم التالي، قررت أن أتوقف عن تجاهل إحساسي دخلت إلى قسم الأرشيف القديم في القبو لا أحد يحب النزول إليه؛ المكان بارد رائحته تجمع بين الرطوبة والحبر العتيق،والرفوف تئن تحت ثقل الملفات بعد بحث طويل بين خرائط قديمة وتحديثات للبناء،وجدت ما كنت أريده: مخطط قديم للدور السابع فتحت الورقة بحذر، خطوط الهندسة تحت أصابعي مثل شريان من الزمن الماضي.
كانت هناك غرف مرقمة: ٧٩١، ٧٩٣، ٧٩٥، ٧٩٧.
ثم في زاوية، وحدها، لا تتصل بالممر إلا بممر جانبي صغير:الغرفة ٧٩٩.
تحت الرقم، ملاحظة بخط اليد: تم إغلاق الجناح حادثة عام ٢٠٠٥أغمضت عيناي للحظة ٢٠٠٥كان عمري وقتها خمسة عشر عاماً.
تاريخ لا يرتبط بالمستشفى فقط بل بحياتي أنا أيضاً.
هذه المرة، لم أسكت واجهت رئيس القسم: دكتور، المخطط القديم يوضح وجود غرفة ٧٩٩ في الدور السابع، وتم إغلاقها بسبب حادثة في ٢٠٠٥ ليش ما فيه أي ذكر لها الآن في النظام؟ نظر إليّ طويلاً هذه المرة قبل أن يرد،كأنه يقيّم إن كنت مستعدة لسماع الشيء الذي يهرب منه الجميع بعض الصفحات في تاريخ المستشفى الأفضل تظل مطوية ثم أضاف، بنبرة حملت شيئاً من التحذير: نصيحة لا تدعي الفضول المهني يدخلك أماكن مغلقة.
ابتسمت ابتسامة باهتة: أوعدك إذا أقنعتَ عقلي ألا يطرح أسئلة لم يجب فهمت أن الطريق من هنا فصاعداً لن يكون رسميًا بل شخصيًا.
في تلك الليلة، كرّر المستشفى لعبته انقطع التيار لثوانٍ، ثم عاد وفي قلوب الصمت القصير، سمعت بوضوح أكبر هذه المرة صوت القلم:
خش خش خش ثم توقف، كأن اليد التي تكتب تنتظرني أن أقترب.
ذهبت إلى نهاية الممر بنفس عدد الخطوات تقريباً، بنفس إحساس أن المسافة أطول مما تبدو الجدار الأبيض أمامي لم أضيّع الوقت هذه المرة؛ مددت يدي ولمست سطحه كان بارداً أكثر برودة من بقية الجدار.
ثم، في حركة بطيئة كأن الزمن نفسه يتحرك معي،انفتح جزء صغير من الجدار للداخل، كأنني لمست مفتاحًا سريًا خلف اللوح المتحرك
كان هناك باب خشبي قديم، لوحة معدنية فوقه تحمل الرقم:٧٩٩.
لا أنكر أن قلبي خاف ليست من الأشباح بل من نفسي.
ماذا إن وجدت ما يجعلني لا أقدر على العودة كما كنت؟
ماذا لو كانت الحقيقة سكينًا لا يشفي بعدها شيء؟
لكن شيئًا أقوى من الخوف كان يرفع يدي نحو المقبض فتحته.
رائحة المكان كانت مزيجًا من الغبار والعطر القديم وتلك الرائحة الخاصة للأماكن التي تُغلق فجأة على حياة لم تنتهِ بشكل طبيعي الغرفة لم تكن كبيرة،لكنها لم تكن كغرف المرضى العادية مكتب خشبي، كرسيان متقابلان،جهاز تسجيل صوتي قديم،رفوف تحمل ملفات بملفات وعلى الجدار المقابل للباب تمامًا،كانت هناك مرآة كبيرة وقفت أمام المرآة رأيت عينيّ،لكنني أحسست أن شخصًا آخر يراقبني من الجهة الأخرى.
على المكتب، ملف واحد فقط لم يعلوه الغبار عليه رقم: ٧٩٩ واسم المريضة: تجمّدت كان الاسم مكتوبًا بخط واضح، مرتب اسمي أنا.
ضحكت ضحكة قصيرة، عصبية: مستحيل مزحة سخيفة؟
فتحت الملف في أول صفحة: معلومات شخصية الاسم، تاريخ الميلاد، عنوان قديم أعرفه جيدًاعنوان البيت الذي عشت فيه طفولتي.
تحت هذه البيانات، سطر واحد بخط مختلف: أُدخلت المريضة غرفة التقييم بعد حادثة فقدان جزئي للذاكرة، وظهور نوبات هلع متكررة.
أغمضت عيني رأيت لحظات من عمري كنت أضعها دائمًا في خانة لا أذكر.
ليالٍ كنت أستيقظ فيها وأنا أصرخ،نهارًا كنت أشعر بأنني لست في مكاني،أسئلة كانت أمي تهرب من الإجابة عنها.
قلّبت الصفحات ملاحظات مكتوبة بقلم طبيب نفسي جلسات تقييم أسئلة عن حادثة لم أستطع وقتها وصفها عن غرفة شعرت فيها أنني محبوسة بلا نافذة،وعن أرقام تتكرر في رأسي بلا سبب ٧، ٩، ٩، ٧، ٩، ٩ كنت أظنها شرود طفلة لكنها كانت شيئًا آخر.
في النهاية، وجدت ورقة مختلفة ليست مكتوبة بخط الطبيب،بل بخط يشبه خطي الآن إلى نفسي حين تكبرأعرف أنكِ لا تتذكرين كل شيء،وأعرف أن الكبار أخفوا عنك أجزاءً من القصة خوفاً عليكِ أو خوفاً من أنفسهم في تلك السنة، حدث شيء لم يستطع عقلك تحمّله، فقرّر أن يحبس جزءاً من الحقيقة في غرفة مغلقة.
أسموها هنا (غرفة التقييم) أما عقلك فسمّاها:غرفة ٧٩٩ توقفت عن القراءة، وقلبي يتسع لشيء يشبه الفهم وألمٍ من نوع جديد غرقة ٧٩٩ لم تكن غرفة في المستشفى فقط كانت غرفة في رأسي.
تابعت:
في كل مرة تحاولين نسيان الماضي، كان صوت القلم يعود في رأسك،يحاول أن يكتب ما مُسح وفي كل مرة تجاهلتِه، زاد خوفك من اللاشيء،من الأماكن المغلقة،من الأرقام التي لا معنى لها أنتِ لست مريضة كما تخافين،لكنّك أيضاً لستِ بخير كما تزعمين.
الغرفة التي خلف هذا الباب كانت شاهدة على جلساتك الأولى مع الخوف،حين كانوا يحاولون فهم ما جرى وحين كنتِ أنتِ الوحيدة التي تعرف ثم قررت أن تنسي.
رفعت رأسي إلى المرآة لم أرَ فتاة في الخامسة عشرة،بل امرأة تحمل عيون تلك الفتاة وعلى وجهها كل أدوار التمثيل التي لعبتها على نفسها طيلة السنوات الماضية كم من مرة قلت للمريضات عندي:الماضي لا يختفي إن تجاهلناه، بل يعود بأقنعة مختلفة وأنا أول من ارتدى قناع النسيان.
عدتُ إلى الورقة قد يسألك أحدهم: لماذا لم تفتح غرفة ٧٩٩ منذ زمن؟ الجواب بسيط ومعقد: كنتِ بحاجة أن تصبحي قوية بما يكفي، لا لتتذكري بل لتسامحي تسامحين نفسك لأنك لم تقدري على حماية نفسك وقتها تسامحين من خاف عليك فخبّأ عنك الحقيقة بدل أن يحتضنك فيها وتسامحين عقلك لأنه أغلق الباب دون استئذانك.
في نهاية الورقة، توقيع بسيط:كتبتُ هذا وأنا في جلسة هدوء نادرة في الخامسة عشرة من عمري س توقفت أنفاسي للحظة هذا ليس توقيع أمي، ولا أي طبيب هذا توقيعي قبل أن أعرف كيف أكتب رسائل لنفسي.
استندت إلى طرف المكتب كي لا أسقط الغرفة تدور ببطء حولي، والأصوات القديمة التي كنت أسمّيها “هلاوس”صارت الآن ذكريات تتكتل وتبحث عن باب سمعت مرة أخرى صوت القلم لكن هذه المرة لم يأت من وراء الباب، ولا من خلف الجدار جاء من داخلي كأن جزءًا صغيراً منّي كان يجلس في زاوية من عقلي، يمسك قلماً، ويكتب بصبر:أخيرًا قررتِ أن تدخلي.
رفعت رأسي نحو المرآة مرة أخرى هذه المرة رأيت شيئًا لم أنتبه إليه قبلًا في زاوية المرآة، بأحرف صغيرة محفورة، كان هناك تاريخ: ٢٠٠٥ وتحتها جملة واحدة بالعربية: لا علاج بلا مواجهة خرجت من الغرفة وأنا أحمل الملف في يدي لم أغلق الباب جيداً لم أُرد له أن يعود جداراً أبيض بلا معنى في الممر، كان الضوء أقوى، وكأن المكان خفّ عنه شيء ثقيل في المصعد، نظرت إلى لوحة الأزرار.
زر الدور السابع يضيء زر الثامن كذلك أما الزر الصغير بينهما، فلم يعد رقمه مطموسًا كان يلمع بوضوح:٧٩٩.
مددت يدي لم أضغطه هذه المرة لم أعد بحاجة أن أذهب إلى هناك لقد حملت الغرفة معي.
في تلك الليلة، جلست إلى مكتبي في البيت، وفتحت دفتراً جديداً في الصفحة الأولى كتبت:غرفة ٧٩٩ لم تكن في المستشفى فقط،كانت في رأسي وكل مرة تهرب فيها من ماضيك،أنت تترك غرفة في داخلك بلا ضوء بلا هواء بلا اعتراف.
ثم أغلقت الدفتر،وأطفأت النور.ولأول مرة منذ سنوات طويلة، نمتُ دون أن يوقظني صوت قلم يكتب في الظلام لقد توقّف عن الكتابة
لأن القصة وصلت أخيراً إلى من كانت تُكتب له أنا.

.webp)
شاركني شعورك بعد القراءة.. وجودك يهمني.