![]() |
| كان يظن أن الأمر مجرد موعد عادي حتى أدرك أن كل شيء قد تم ترتيبه له مسبقًا |
في البداية ظنّت ريم أن الأمر مجرد خطأ إداري بسيط. رسالة حجز في مركز أسنان لم تطلبها، ثم تأكيد موعد في عيادة جلدية لم تسمع باسمها من قبل، ثم إشعار بموعد مقابلة في مكتب محاماة في حي لم تزره يومًا. ثلاث رسائل خلال أسبوع واحد، كلها تصل إلى هاتفها باسمها الكامل ورقم هويتها الجزئي، وفي نهاية كل رسالة عبارة واحدة لا تتغير: يرجى الحضور قبل الموعد بعشر دقائق.
ألغت الموعد الأول وهي منزعجة. تجاهلت الثاني. أما الثالث فترك في داخلها ذلك النوع من القلق الذي لا يظهر دفعة واحدة، بل يبدأ صغيرًا، ثم يتكاثر مع كل تفصيل لا يجد له العقل تفسيرًا.كانت تعرف شيئًا واحدًا: أحدهم يستخدم اسمها.
لكنها لم تكن تعرف بعد أن المشكلة ليست في المواعيد نفسها، بل في الشيء الذي كان ذلك الشخص يحاول أن يقودها إليه.
الفصل الأول: أول رسالة
وصلت الرسالة صباح الثلاثاء، عند التاسعة وأربع دقائق. كانت ريم في مكتبها تراجع جدول الحضور حين اهتز هاتفها على الطاولة. نظرت إلى الشاشة بسرعة، ظنًا منها أنها رسالة من شقيقتها أو من شركة التوصيل، لكنها وجدت نصًا رسميًا:عزيزتنا ريم سالم ، تم تأكيد موعدك في مركز لافين للأسنان يوم الخميس 11:30 صباحًا.
تجمدت للحظة. أعادت قراءة الاسم. اسمها صحيح. الرقم صحيح. حتى رابط الموقع في آخر الرسالة بدا حقيقيًا.
اتصلت بالمركز فورًا.
ردت عليها موظفة بصوت روتيني، سألتها ريم عن الموعد، فأكدت الموظفة أن الحجز موجود باسمها ورقمها وأن من قام به طلب استشارة عاجلة. سألتها ريم: كيف تم الحجز؟ فأجابت: عن طريق الهاتف.
قالت ريم بحدّة: أنا لم أتصل.
سكتت الموظفة لحظة ثم قالت: ربما أحد من العائلة؟
أنهت ريم المكالمة وهي غير مقتنعة. تواصلت مع والدتها، ثم شقيقتها، ثم ابنة خالتها. لا أحد يعرف شيئًا.
ألغت الموعد، وأغلقت الهاتف، وحاولت العودة إلى عملها.
لكن السؤال بقي مفتوحًا في ذهنها حتى نهاية اليوم: من يملك اسمها ورقمها، ولماذا يحجز لها موعد أسنان؟
في المساء، نسيت الأمر تقريبًا. الحياة بطبيعتها تبتلع التفاصيل الغريبة إن لم تتكرر. لكنها تكررت.
الفصل الثاني: الأمر يتكرر
بعد يومين فقط، وصلتها رسالة جديدة.تم تأكيد موعدك في عيادة أفق الجلدية، الأحد 5:00 مساءً.
هذه المرة لم تتصل مباشرة. فتحت تطبيق البنك أولًا، تفقدت بطاقاتها، حساباتها، المدفوعات الأخيرة. لا توجد أي حركة مشبوهة. ثم دخلت إلى أبشر وتأكدت من عدم وجود طلبات أو معاملات غريبة. كل شيء بدا طبيعيًا، وهذا ما زاد الأمر سوءًا. لو كان هناك اختراق واضح لهان الأمر؛ لأن المشكلة ستكون مفهومة. لكن أن يكون كل شيء سليمًا ظاهريًا، بينما هناك شخص يحجز باسمها مواعيد متفرقة، فهذا يعني أن أحدهم يتعمد شيئًا أكثر تحديدًا.
اتصلت بالعيادة.
الموظفة هناك أعطتها تفاصيل أكثر من اللازم: الموعد حُجز بصوت امرأة، تم اختيار الدكتورة بنفسها، وجرى التأكيد على أن الحالة ليست تجميلية بل متابعة شيء قديم.
توقفت ريم عند العبارة الأخيرة.
متابعة شيء قديم؟ ماذا تقصدين؟
قالت الموظفة: هذا مكتوب في الملاحظات فقط.
ومن كتبه؟
الشخص الذي حجز.
ألغت ريم الموعد أيضًا.
في تلك الليلة غيّرت كلمات مرورها كلها. البريد الإلكتروني، التطبيقات، مواقع التسوق، حتى حسابات قديمة لم تستخدمها منذ سنوات. شعرت بشيء من الارتياح بعد ذلك، كأنها أغلقت بابًا مفتوحًا في بيتها. لكنها في صباح اليوم التالي، وهي في المطبخ تنتظر غلاية الماء، جاءها إشعار جديد.
تم تأكيد موعدك في مكتب السعد للمحاماة، الثلاثاء 1:00 ظهرًا. يرجى إحضار أي مستندات سابقة تتعلق بالقضية.
هذه المرة لم تشعر بالانزعاج فقط. شعرت بالخطر.
الفصل الثالث: مكتب المحاماة
لم تُلغِ الموعد فورًا. جلست على الكرسي قرب طاولة المطبخ وهي تحدق في الرسالة. أي قضية؟ لم تدخل ريم محكمة في حياتها. لم توكل محاميًا، ولم تستلم إنذارًا، ولم تُرفع ضدها دعوى، على الأقل هذا ما تعتقده.
اتصلت بالمكتب. رد عليها رجل، عرّف نفسه بأنه السكرتير. سألت عن الموعد، فقال: نعم أستاذة ريم، الأستاذ بانتظارك يوم الثلاثاء.
قالت: أنا لم أحجز.
سكت الرجل ثانيتين ثم قال: لكننا نتعامل مع ملفك منذ ثلاثة أسابيع.
شعرت أن حرارة جسدها انخفضت دفعة واحدة. سألت: أي ملف؟
أجاب بنبرة حذرة: الأفضل أن تناقشي هذا مع الأستاذ شخصيًا.
أنا أطلب منك أن تخبرني الآن.
المعلومات القانونية لا تُعطى هاتفيًا.
أنهت المكالمة. جلست ساكنة لوقت طويل. لأول مرة شعرت أن الإلغاء لم يعد كافيًا. إذا كان هناك ملف قانوني باسمها فعليها أن تعرف. وإذا كان شخص ما يجرها عمدًا نحو أماكن معينة فالأمر أخطر من مزحة ثقيلة أو خطأ بيانات.
قررت أن تذهب إلى الموعد.
لم تخبر أحدًا. لم ترد أن تبدو مرتبكة أو مبالغة. في داخلها كانت تأمل أن تجد تفسيرًا سخيفًا لكل ما يحدث، وأن تعود إلى بيتها وتضحك على نفسها. لكنها وهي تقود نحو المكتب يوم الثلاثاء، كانت تعرف أن هذا لن يحدث.
الفصل الرابع: الملف الذي لا يجب أن يكون موجودًا
كان مكتب المحاماة في بناية قديمة نسبيًا، في شارع جانبي هادئ لا يشبه المكاتب اللامعة التي تظهر في الإعلانات. صعدت إلى الدور الثالث. اللوحة على الباب تحمل اسمًا ذهبيًا باهتًا: مكتب السعد للاستشارات والتمثيل القانوني.استقبلها السكرتير بنظرة مطولة، كأنه يتأكد أنها بالفعل نفس الشخص الذي يتوقعه. طلب منها الجلوس دقائق، ثم أدخلها إلى غرفة واسعة مليئة بالملفات الخضراء والزرقاء. خلف المكتب جلس رجل في الخمسينيات، دقيق الملامح، يتصرف بهدوء غير مريح.
أشار لها بالجلوس وقال: تأخرتِ.
قالت مباشرة: أنا لم أحجز هذا الموعد، ولا أي موعد قبله. وأريد أن أفهم لماذا لديكم ملف باسمي.
أخرج الرجل نظارة القراءة، فتح درجًا جانبيًا، ثم وضع أمامها ملفًا بنيًا متوسط السُمك.
كان مكتوبًا على الغلاف: ريم سالم مطالبة مدنية.
قالت: هذا مستحيل.
فتح الملف، وأدار بعض الأوراق نحوها. رأت صورة من هويتها الوطنية، نسخة قديمة من عقد إيجار شقة خرجت منها قبل عامين، وصورة لكاميرا مراقبة التُقطت عند مدخل بناية لا تعرفها. لكن أسوأ ما في الملف لم يكن الصور. بل التوقيع الموجود أسفل استمارة التوكيل الأولي.
كان توقيعها.
نفس طريقة كتابة اسمها. نفس الميل الخفيف في حرف الراء. نفس الخط المرتبك في اللام الأخيرة.
نظرت للمحامي ببرود مصطنع وقالت: هذا مزور.
قال: ربما. لكن من وقّع حضر بنفسه، ومعه هويتك.
هويتي معي.
نسخة منها.
سألته: ما القضية؟
تردد ثم قال: مطالبة تتعلق بعقار مؤجر وادعاء بإخفاء مستندات تخص امرأة اسمها نجلاء .
رفعت رأسها فورًا. لا أعرف هذه المرأة.
هذه المرة كان هو من يحدق فيها. ثم قال: هذا ما قالته المرة الماضية أيضًا.
تجمدت ريم. أي مرة؟
حين حضرتِ هنا قبل ثلاثة أسابيع.
الفصل الخامس: امرأة تشبهها
خرجت من المكتب وهي تمشي ببطء، كأن الأرض صارت أقل ثباتًا. الهواء في الخارج بدا أثقل من العادة، والسيارات في الشارع تتحرك أمامها كأنها بعيدة جدًا. جلست في سيارتها وأغلقت الباب، لكنها لم تشغل المحرك. فقط بقيت ممسكة بالمقود، تعيد في رأسها الجملة نفسها:حين حضرتِ هنا قبل ثلاثة أسابيع.
إما أن المحامي يكذب، أو أن شخصًا انتحل شخصيتها بدقة مرعبة.
أخرجت هاتفها واتصلت بالمكتب مرة أخرى. طلبت من السكرتير نسخة من كاميرات الاستقبال إن وُجدت. رفض في البداية، ثم وافق بعد إصرارها أن يراجع المحامي.
بعد ساعة وصلت إلى بريدها رسالة قصيرة فيها ملف فيديو.
فتحت المقطع.
كانت كاميرا الاستقبال مثبتة في زاوية مرتفعة. يظهر الباب، ومنضدة السكرتير، ومقاعد الانتظار. في الدقيقة الثانية دخلت امرأة سوداء العباءة، واضعة كمامة ونظارة شمسية. مشت بثقة إلى الداخل. لم يظهر وجهها بوضوح، لكن طولها، طريقة مشيتها، حتى ميل كتفها الأيمن كل شيء فيها بدا مألوفًا بشكل مزعج.
توقفت ريم عند لقطة معينة حين رفعت المرأة يدها لتعدل النظارة.
على معصمها الأيسر ساعة معدنية قديمة.
نفس الساعة التي أضاعتها ريم قبل ستة أشهر.
أعادت المقطع مرة، ثم مرتين، ثم عشر مرات. لا يمكن أن تكون هي. لكنها أيضًا ليست غريبة تمامًا.
بدأت خيوط الأمر تتجمع، لكن ليس بالشكل الذي يطمئن. كان هناك شخص يعرفها جيدًا. شخص يملك نسخًا من مستنداتها، ويستطيع تقليد توقيعها، وربما يملك أشياء كانت تخصها.
وشيء آخر كان يزعجها أكثر: لماذا يحجز تلك المواعيد المختلفة؟ أسنان، جلدية، محاماة. لا رابط واضحًا بينها.
إلا إذا لم تكن مواعيد منفصلة أصلًا، بل خطوات.
الفصل السادس: العودة إلى الشقة القديمة
ذلك المساء، عادت ريم إلى شقتها الحالية وأخرجت صندوقًا كرتونيًا تحت السرير. كان يحتوي على أوراق قديمة، عقود، فواتير، وصور متناثرة من حياتها خلال السنوات الماضية. بدأت تفتش فيه عن أي شيء يتعلق باسم نجلاء ، أو عنوان غير مألوف، أو الشقة القديمة التي ظهرت نسخة عقدها في الملف.بعد ساعة من العبث، وجدت أمرين غريبين.
الأول، ورقة استلام طرود موقعة باسمها منذ ثمانية أشهر، لكن عنوان التسليم ليس عنوانها الحالي ولا القديم. بل بناية في حي النخيل.
الثاني، بطاقة مراجعة طبية باهتة من عيادة جلدية. نفس اسم العيادة التي وصلها موعدها الثاني. وعلى البطاقة بخط اليد: مراجعة بعد إزالة العلامة لا تنسي الصورة.
حدقت في البطاقة طويلًا. لا تتذكر زيارة تلك العيادة أبدًا. لكنها تعرف خط يدها، أو على الأقل تعتقد ذلك.
قررت الذهاب إلى حي النخيل أولًا.
في صباح اليوم التالي، وقفت أمام البناية المذكورة في ورقة الاستلام.
كانت بناية سكنية هادئة، قديمة نسبيًا، ويظهر على جدارها الخارجي أثر ترميم حديث. سألت الحارس عن الاسم المدون على الورقة، فلم يعرفه. سألته عن شقة رقم 12، وهي المذكورة في الإيصال، فقال إن الشقة خالية منذ شهور.
من كان يسكنها؟ سألت ريم.
هز كتفيه وقال: امرأة كبيرة في السن. توفت أو نقلوها، لا أدري. بعدها جاء أـناس كثيرون يسألون عنها.
ما اسمها؟
فكر قليلًا ثم قال: أم نورة أو نجلاء، شيء مثل هذا.
تسارعت أنفاس ريم.
سألته إن كان يستطيع فتح الشقة. رفض أولًا، ثم قال إن المالك أخرج الأثاث كله ولم يبقَ شيء.
لكنها لم تذهب. صعدت إلى الدور الثاني ووقفت أمام باب الشقة 12. الباب مطلي حديثًا، إلا أن الخدش السفلي قرب القفل ما زال قديمًا. انحنت بلا وعي ولمست الخدش بأصابعها، وفجأة شعرت بشيء غريب: ليست ذكرى واضحة، بل إحساس بأنها لمست هذا المكان من قبل.
ارتدت خطوة للخلف.
كان الممر ساكنًا، لكن عينها التقطت شيئًا أسفل الباب: طرف ورقة مطوية عالقة بين الخشب والأرضية.
انحنت وسحبتها.
كانت قصاصة صغيرة، كُتب عليها بقلم أزرق:
الموعد القادم هو الأهم. لا تلغيه.
الفصل السابع: العيادة الجلدية
لم تعد ريم تتصرف بدافع الفضول فقط. صارت تشعر أنها تُقاد عمدًا، وأن الذي يترك لها الأثر يعرف كيف يدفعها خطوة بعد أخرى.قررت ألا تنتظر رسالة جديدة. ذهبت بنفسها إلى عيادة أفق الجلدية. طلبت من الاستقبال مراجعة أي ملفات باسمها خلال العام الماضي. في البداية رفضت الموظفة بحجة الخصوصية، لكن بعد جدال طويل ومراجعة الهوية، خرجت دكتورة شابة من الداخل وسألتها عن السبب.
حين شرحت ريم ما يحدث، نظرت إليها الطبيبة بنظرة متفحصة وقالت: ادخلي.
داخل الغرفة، فتحت الطبيبة النظام على جهازها. ظهرت ثلاثة مواعيد سابقة باسم ريم. اثنان تم حضورهما، والثالث هو الذي ألغي قبل أيام. الموضوع المسجل: إزالة وحمة صغيرة أسفل الرقبة اليسرى أرشفة قبل وبعد.
قالت ريم: أنا لم آتِ هنا مطلقًا.
ردت الطبيبة بهدوء: من حضرت كانت تضع كمامة، لكني رأيت المنطقة بنفسي. ولدي صورة محفوظة في الملف.
استدارت إلى الشاشة، فتحت الصور.
ظهرت صورة لجزء من رقبة امرأة من الجهة اليسرى. وحمة بنية صغيرة قرب عظمة الترقوة، ثم صورة ثانية بعد الإزالة.
رفعت ريم يدها ببطء إلى رقبتها. لا توجد أي وحمة.
لكن يوجد أثر رفيع، شبه مستقيم، كأنه قديم جدًا.
نظرت للطبيبة. هذا ليس شكلي.
قالت: الصورة ليست للوجه، لكن الملف باسمك.
هل دفعت نقدًا أم بطاقة؟
راجعت الطبيبة البيانات. نقدًا.
هل هناك كاميرات؟
الاحتفاظ لا يتجاوز شهرين.
أغلقت الطبيبة الملف، ثم قالت ما لم تكن ريم تتوقعه: هناك أمر آخر. من حضرت طلبت نسخة مطبوعة من الصورة قبل الإزالة، وأصرت أن تُختم.
لماذا؟
قالت إنها تحتاجها لإثبات هوية.
خرجت ريم من العيادة بعقل أكثر فوضى. الآن هناك صورة طبية تُستخدم لإثبات هوية، وتوقيع يشبه توقيعها، وامرأة ربما تشبهها، وشقة مرتبطة باسم غريب. ولم يعد السؤال: من هي؟ بل: لأي غرض كل هذا؟
الفصل الثامن: الرجل الذي يعرف أكثر مما يقول
في مساء اليوم نفسه، تلقت اتصالًا من رقم أرضي.ردت بحذر.
جاءها صوت رجل مسن: هل أنتِ ريم؟
نعم. من معي؟
اسمي حمد. كنت جارًا لنجلاء في شقة 12.
لم ترد للحظة. كأن اسم نجلاء صار مفتاحًا يفتح كل الأبواب المقفلة في هذه القصة.
قال الرجل: وجدت رقمك في ورقة قديمة عندي. وأظن أن الوقت تأخر كثيرًا.
طلبت منه أن يشرح، فرفض الكلام في الهاتف. أعطاها عنوان مقهى شعبي قريب من بيته، وقال: تعالي الآن. وإذا لم تأتي فلن أتصل مرة أخرى.
ذهبت.
كان يجلس في الزاوية، رجل نحيل، له يدان ترتجفان قليلًا وهو يمسك فنجان القهوة. نظر إليها طويلًا قبل أن يقول: أنتِ تشبهينها فعلًا أكثر مما توقعت.
من؟
ابنتها.
تصلب ظهر ريم. أنا لا أعرف نجلاء أصلًا.
هز رأسه كأنه سمع الجملة نفسها سابقًا. ثم أخرج من جيبه ظرفًا بنيًا صغيرًا وضعه أمامها.
قال: نجلاء توفت قبل ثمانية أشهر. قبل وفاتها كانت تنتظر فتاة ستأتيها، وقالت إنها قد لا تتذكر كل شيء. أعطتني هذا الظرف إذا ظهرت الفتاة يومًا.
لم تفتحه فورًا. قالت: أنت تخلط بيني وبين شخص آخر.
قال بهدوء: ربما. لكن الفتاة التي جاءت قبل شهر وأخذت نسخة من مفتاح الشقة قالت إنها ستعود ومعها الحقيقة. ثم اختفت.
كيف كانت؟
نفس طولك تقريبًا. تضع كمامة. ولم أرَ وجهها بوضوح.
أخذت الظرف وفتحته.
في داخله صورة قديمة، ورسالة قصيرة.
أما الصورة فكانت لامرأتين تقفان أمام باب شقة. واحدة منهما أكبر سنًا، والأخرى شابة في أوائل العشرينات، ووجهها نصف ملتفت عن الكاميرا. لكن ما يكفي كان ظاهرًا.
ملامحها تشبه ريم بشكل يربك.
أما الرسالة، فكانت بخط مرتجف:
إذا وصلتِ إلى هنا، فلا تثقي بالنسخة السهلة من القصة. المستند موجود حيث بدأتِ تخافين من النظر.
الفصل التاسع: النسخة السهلة من القصة
جلست ريم في سيارتها بعد لقاء حمد، وأعادت قراءة الرسالة مرات كثيرة. النسخة السهلة من القصة ماذا تعني؟ هل المقصود أنها ليست ضحية انتحال فقط؟ وأن هناك شيئًا يخصها فعلًا في هذه الحكاية؟نظرت إلى الصورة القديمة مرة أخرى. الفتاة الشابة فيها قد تكون هي، وقد لا تكون. هناك شبه، لكن الصورة ليست واضحة بما يكفي للحسم. ثم توقفت عند شيء لم تلحظه أولًا: الفتاة ترتدي الساعة المعدنية القديمة نفسها.
الساعة التي ظهرت في مقطع مكتب المحاماة.
لم تعد المسألة أن أحدًا يسرق هويتها فقط. صار هناك احتمال آخر، أكثر إزعاجًا: أن شخصًا من ماضيها تعرفه ثم نسيت وجوده، عاد يستخدم آثارها ضدهـا أو لصالحها.
عادت إلى بيتها وعلّقت الخيوط على ورقة كبيرة: المواعيد الثلاثة، نجلاء ، شقة 12، صورة الرقبة، المحامي، الساعة، الرسالة أسفل الباب، والرجل حمد.
كان الرابط الوحيد الواضح هو أن كل محطة تمنحها جزءًا صغيرًا من شيء أكبر. وكأن هناك من يترك لها مسارًا تتبعه كي تصل إلى ملف أو مستند أو حقيقة معينة.
ثم انتبهت إلى جملة المحامي: مطالبة بإخفاء مستندات.
أي مستندات؟
وهل المستند الموجود حيث بدأتِ تخافين من النظر يعني شيئًا ماديًا أخفته هي بنفسها؟ أم شيئًا في ماضيها تهرب منه؟
قامت فجأة واتجهت إلى المرآة في غرفتها.
ظلت تحدق في رقبتها اليسرى. الأثر القديم الرفيع لم يشبه أثر إزالة وحمة. بدا أقرب إلى جرح شُفي بدقة.
ثم تذكرت عبارة الطبيبة: تحتاج الصورة لإثبات هوية.
أغلقت عينيها لحظة، واستحضرت كل ما تعرفه عن نفسها: بيت طفولتها، مدرستها، الجامعة، الوظيفة الأولى، انتقالها من الشقة القديمة. لا فراغات واضحة. لكن في الأشهر التسعة الأخيرة، هناك فترة ضبابية فعلًا. ليست مفقودة بالكامل، لكنها غير مرتبة. أحداث كثيرة بلا تسلسل. كأن العقل تعامل معها بسرعة كي يغلقها.
فتحت عينيها.
هناك مكان واحد فقط بدأت تخاف من النظر إليه.
المستودع الصغير في آخر ممر الشقة القديمة التي كانت تستأجرها قبل عامين. لم تدخله يوم الانتقال الأخير. تركت العمال يفرغون كل شيء. ومنذ ذلك اليوم، لا تحب حتى تذكره بسبب حادثة انقطاع الكهرباء التي حدثت هناك ذات ليلة وجعلتها تقضي ساعة في الظلام.
كان خوفًا تافهًا وقتها. لكنه الآن صار يحمل معنى آخر.
الفصل العاشر: المستودع
في اليوم التالي، ذهبت إلى مالك الشقة القديمة بحجة أنها نسيت صندوقًا قديمًا. بعد نقاش قصير ودفع مبلغ رمزي، سمح لها بالدخول نصف ساعة لأن الشقة ما تزال فارغة بانتظار مستأجر جديد.دخلت الشقة ببطء.
الرائحة نفسها ما تزال عالقة في المكان: دهان قديم، غبار، وهواء مغلق. مشت بين الغرف الخاوية حتى وصلت إلى نهاية الممر. كان باب المستودع الصغير هناك، بلونه الأبيض المائل إلى الاصفرار.
وقفت أمامه دون أن تفتحه.
كانت الرسالة تقول: حيث بدأتِ تخافين من النظر.
مدت يدها إلى المقبض، شعرت ببرود المعدن، ثم فتحت الباب.
المكان ضيق جدًا. رف معدني، صندوق أدوات مكسور، وعلبة كرتونية ممزقة في الزاوية. في الظاهر لا شيء مهمًا. لكنها حين سلطت ضوء هاتفها على الحائط الخلفي، لاحظت فرقًا في اللون. جزء مستطيل أغمق قليلًا، كأن شيئًا كان ملتصقًا هناك ثم أزيل.
اقتربت ولمست الحائط. بدا مجوفًا.
بحثت بسرعة حتى وجدت طرف شريط لاصق قديم. نزعت الغطاء الرقيق من اللوح الخشبي الصغير المخفي داخل الجدار.
خلفه كان هناك ظرف بلاستيكي محكم الإغلاق.
داخل الظرف: فلاشة صغيرة، صورة هوية قديمة، وعقد تنازل غير مكتمل التوقيع.
أخذت كل شيء، أغلقت الباب، وخرجت من الشقة قبل انتهاء النصف ساعة. لم تفتح الفلاشة إلا بعد أن عادت إلى بيتها وأغلقت الأبواب كلها.
في داخلها ثلاثة ملفات.
الأول: صور ممسوحة ضوئيًا لوثائق عقار باسم نجلاء .
الثاني: تسجيل صوتي.
الثالث: ملف نصي بعنوان: إذا وصلتِ قبلها.
فتحت التسجيل أولًا.
جاءها صوت امرأة متعب لكنه واضح:
اسمي نجلاء . إذا أحد وجد هذا التسجيل، فأنا على الأغلب ميتة أو مختفية. الوثائق التي عندي تثبت أن العقار الذي يحاولون أخذه ليس لهم. إذا سمعتِ هذا يا ريم، فمعنى ذلك أنكِ قبلتِ تساعديني مرة ثانية أو أنهم وصلوا إليكِ قبلي.
ارتفع النبض في صدرها.
تابع الصوت: أعرف أنكِ لا تحبين المشاكل، لكنكِ قلتِ بنفسك إننا لو تركنا الملف يختفي، سيضيع حق بنتي. إذا صار لك شيء أو نسيتي أو خفتي، أخفيتُ النسخة في المكان الذي اتفقنا عليه.
أوقفت ريم التسجيل.
كانت الكلمات واضحة. نجلاء تعرفها. بل يبدو أن ريم نفسها ساعدتها في شيء قانوني أو وثائقي. لكن لماذا لا تتذكر شيئًا من هذا؟ ومن هي بنتها؟ ولماذا هناك طرف ثالث يريد تلك الوثائق؟
فتحت الملف النصي.
إذا وصلتِ قبلها، فهذا يعني أن الشخص الذي يستخدم اسمك سبقك إلى نصف الطريق. لا تسلمي الوثائق للمحامي قبل أن تعرفي من أرسلك إليه. ليس كل من طلب الملف يريد الحق.
بعضهم يريد إسكات القضية للأبد.
أسفل الجملة، سطر أخير:
العلامة في الرقبة ليست عملية. إنها طريقة للتأكد من أنكِ أنتِ.
وضعت ريم يدها على رقبتها تلقائيًا.
الفصل الحادي عشر: من يلاحق من؟
لم تنم تلك الليلة. مع بزوغ الفجر، أعادت التفكير من البداية.شخص ما حجز لها مواعيد مختلفة. لكنها الآن فهمت ترتيبها جزئيًا:
موعد الأسنان قد لا يكون له علاقة بالأسنان، بل كان اختبارًا لمدى استجابتها.
موعد الجلدية يشير إلى علامة التعرف.
موعد المحاماة يجرها مباشرة إلى الملف القانوني.
أي أن الشخص لم يكن يعبث بها اعتباطًا، بل كان يقودها عبر مسار معدّ سلفًا.
لكن لماذا لا يتواصل معها مباشرة؟
لأنها ربما لن تصدق.
أو لأن هذا الشخص لا يستطيع كشف نفسه.
أو لأنه ليس في صفها بالكامل.
قالت: من ابنة نجلاء؟
أجاب: اسمها مها.
وأين هي؟
لا أعلم. اختفت بعد مشكلة على العقار. قيل إنها سافرت، وقيل إنها هربت.
هل تعرفين أحدًا كان يلاحق نجلاء؟
سكت الرجل قليلًا ثم قال: كان يأتي رجلان يسألان كثيرًا. وبعدها بدأت امرأة أصغر سنًا تظهر بدلًا عنهم أحيانًا.
امرأة؟
نعم. كانت حريصة، وتعرف كيف تدخل وتخرج دون أن يلاحظها أحد.
هل تشبهني؟
نظر إليها مطولًا. لما رأيتك أول مرة ظننت أنكِ هي.
من هي؟
قال: أختك.
شعرت ريم كأن الكلمة سقطت من مكان مرتفع داخل رأسها. ليس لدي أخت.
رد الرجل بثبات: هذا ما يقولونه دائمًا عن القصص التي دُفنت جيدًا.
الفصل الثاني عشر: السجل القديم
لم يكن أمامها خيار سوى البحث في عائلتها، لكن بطريقة لا تثير ضجة. بدأت بوالدتها. سألتها في مكالمة عابرة عن صور قديمة للعائلة، خاصة من سنوات الطفولة. الأم استغربت السؤال لكنها أرسلت إليها لاحقًا مجلدًا كاملاً من الصور.راجعتها ريم واحدة واحدة.
حفلات مدرسية، رحلات، زوايا من البيت القديم، هي مع والدها، هي مع أمها، هي طفلة وحدها في أغلب الصور. وحدها.
ثم وجدت صورة ممزقة جزئيًا في طرف الألبوم الرقمي. الصورة الأصلية مصورة بكاميرا قديمة، ويبدو أنها مسح ضوئي لنسخة تالفة. تظهر فيها طفلتان تقفان قرب أرجوحة. إحدى الطفلتين تشبه ريم بشكل يكفي لإثارة الرعب.
اتصلت بوالدتها فورًا.
ردت الأم بصوت طبيعي، لكن حين سألتها ريم عن الصورة ساد صمت قصير، ثم قالت الأم: هذه ابنة الجيران يا ريم، كنتِ تلعبين معها كثيرًا.
ما اسمها؟
لا أتذكر.
أمي.
صمت آخر، أطول هذه المرة.
ثم قالت الأم بهدوء مصطنع: أنتِ تتعبين نفسك بأشياء قديمة لا فائدة منها.
هل لدي أخت؟
جاءها الجواب بسرعة مفرطة، وكأنه جاهز منذ سنين: لا.
لكن ريم سمعت في الخلفية شيئًا أهم من الكلمة نفسها: الخوف.
أنهت المكالمة وهي متأكدة أن بابًا آخر بدأ ينفتح.
الفصل الثالث عشر: المكالمة المجهولة
في المساء، اتصل بها رقم غير معروف. هذه المرة لم يكن أرضيًا.ردت.
جاءها صوت امرأة خافت لكنه ثابت: لا تذهبي للمحامي مرة ثانية.
تجمدت ريم. من أنتِ؟
أنتِ تتبعين الطريق الصحيح، لكنكِ متأخرة.
هل أنتِ من حجز المواعيد؟
بعضها.
من أنتِ؟
سكت الصوت لحظة، ثم قال: حين ترينني ستفهمين لماذا لم أستطع أن أقولها في الهاتف.
أين أنتِ؟
في المكان الذي بدأت فيه الرسائل.
مركز الأسنان؟
لا. الشبكة لا تبدأ من هناك. اذهبي إلى البريد القديم في شارع الأمير سلطان. افتحي الصندوق 114.
كيف؟
أغلقت المرأة الخط.
وقفت ريم فورًا. لم تضيّع الوقت في التحليل. قادت إلى البريد القديم، وهي تشعر أن هذا قد يكون فخًا. لكنه فخ لا تستطيع تجاهله.
كان المكان شبه خالٍ في تلك الساعة. سألت الموظف عن الصندوق 114، فقال إنه غير مستأجر حاليًا، لكنه قديم ولم يُفرغ من محتويات سابقة بعد. بعد جدال بسيط واستعمال اسم المدير المناوب الذي تعرفه من قريب بعيد، سمح لها بالنظر في وجود أي مفقودات.
فتح الموظف الصندوق بمفتاح الخدمة.
في الداخل ظرف أبيض فقط.
فتحته فورًا.
داخله مفتاح صغير، وصورة فورية حديثة نسبيًا لامرأة تقف أمام مرآة مصعد. نصف وجهها مغطى بالهاتف. لكن الجزء الظاهر كافٍ.
المرأة تشبه ريم إلى حد لا يمكن حمله على المصادفة.
وفي خلف الصورة كتابة سريعة:
لو كنتِ وحدك، تعالي إلى شقة 12 الليلة.
الفصل الرابع عشر: اللقاء
لم تبلغ أحدًا. ولم تفعل ذلك لأنها شجاعة، بل لأنها شعرت أن القصة كلها صُممت بحيث تنكشف لها وحدها أولًا. أي إدخال لطرف آخر قد يدمر ما بقي من الخيط.عادت إلى شقة 12 في التاسعة ليلًا.
الممر كان مظلمًا إلا من ضوء أصفر خافت قرب السلم. وقفت أمام الباب ووضعت المفتاح الذي وجدته في البريد. دار القفل بسهولة.
دخلت.
الشقة خالية كما كانت، لكنها هذه المرة لم تكن فارغة بالكامل. كان هناك مصباح صغير يعمل بالبطارية في الصالة، وعلى الأرض حقيبة سوداء مفتوحة.
ومن خلف الباب الداخلي، خرجت امرأة.
في اللحظة الأولى لم تصرخ ريم، ولم تتراجع. فقط شعرت أن العالم ضاق فجأة وصار محصورًا بين وجهين متشابهين.
المرأة كانت في عمرها تقريبًا. نفس طولها. نفس شكل الفك. نفس الميل البسيط في الحاجب الأيسر. لكن عينيها أكثر قسوة، كأن الحياة مرّت بها من جهة أشد ظلمة.
قالت المرأة: تأخرتِ.
هذا الصوت نفسه. صوت المكالمة.
قالت ريم بصعوبة: من أنتِ؟
أغلقت المرأة الباب الداخلي خلفها وقالت: اسمي ليان.
وأنا لا أعرفك.
لا. لكنكِ كنتِ ستعرفين.
هل أنتِ أختي؟
ابتسمت ليان ابتسامة قصيرة بلا دفء. هذه بداية معقولة.
هل أنتِ من حجز المواعيد؟
نعم. وبعضها لا.
لماذا؟
لأنكِ لا تتحركين إلا إذا ظننتِ أن الأمر يمسك حياتك مباشرة.
أنتِ منتحلة هويتي.
أنا أستخدم نصف الهوية التي كان يجب أن تكون لي أصلًا.
كانت الجملة ثقيلة، لكن ريم لم تملك وقتًا لاستيعابها. قالت: اشرحي.
تقدمت ليان خطوة، ثم أخرجت من الحقيبة ملفًا رقيقًا. رمت به على الطاولة المهترئة في الصالة.
نجلاء لم تكن مجرد امرأة نساعدها. كانت الحاضنة الوحيدة للورقة التي تثبت كيف تفرّقنا.
ما معنى تفرقنا؟
يعني أننا وُلدنا في نفس اليوم، من نفس الأم.
شعرت ريم أن الهواء انقطع.
هذا كذب.
طبعًا. لأن هذه هي النسخة السهلة من القصة: تقولين كذبًا، أقول إثباتات، تنهارين، ثم نكمل. لكن الوقت ليس في صالحنا، لذلك سأختصر. نحن توأم. تم فصلنا بعد الولادة بسبب قضية عائلية ومالية قديمة. أنتِ بقيتِ مع أمنا، وأنا خرجتُ من القصة. نجلاء كانت شاهدة، ثم أصبحت حافظة لوثائق لا يريدها أحد أن تظهر.
لماذا الآن؟
لأنهم بدأوا تنظيف كل من له علاقة بالملف.
من هم؟
الذين سيأخذون العقار، والحق، وكل أثر يدل على ما حدث قديمًا. والمحامي ليس معهم بالكامل، لكنه يبيع الاتجاه لمن يدفع.
نظرت ريم إليها طويلًا. جزء منها يريد تصديق أي شيء يفسر هذا الجنون. وجزء آخر يرى أمامه محترفة في التلاعب.
قالت: أعطيني سببًا واحدًا يجعلني أصدقك.
رفعت ليان كمّ عباءتها. على معصمها الساعة المعدنية القديمة.
ثم قالت: لأنكِ أنتِ من أعطيتني هذه قبل سنة، يوم التقينا أول مرة.
الفصل الخامس عشر: الحقيقة غير الكاملة
جلستا متقابلتين في الشقة الخالية. بدأت ليان تروي بسرعة، كمن يعرف أن الوقت مراقب.قالت إنها عاشت متنقلة بين دور رعاية وأسر مؤقتة، ثم بدأت تبحث عن أصلها حين بلغت السابعة والعشرين. قادها البحث إلى نجلاء، وهي امرأة كانت تعمل قديمًا في منزل قريب من عائلة ريم، وشهدت جزءًا من النزاع الذي حصل بعد الولادة. لم تكن نجلاء تعرف كل التفاصيل، لكنها احتفظت بورقة مهمة: إقرار قديم يربط بين ميراث وعقد تنازل وتبديل أسماء في سجلات داخلية.
حين وصلت ليان إلى نجلاء، كانت نجلاء خائفة. وبعد أشهر من الملاحقة والضغط، وافقت أخيرًا على التعاون بشرط أن توجد نسخة احتياطية من كل شيء. هنا دخلت ريم إلى القصة.
كيف دخلت أنا؟ سألت ريم.
أجابت ليان: بالصدفة أولًا. ثم لأنكِ كنتِ الوحيدة التي يمكن أن أثق أنها لن تبيع الملف. التقيتكِ في مكتبة عامة. لم تعرفيني طبعًا. قلت لكِ الحقيقة بشكل ناقص، وادعيت أنني أحتاج مساعدة في توثيق ظلم قديم. لم أقل لكِ إنكِ جزء منه. ساعدتِني في ترتيب النسخ وإخفاء بعضها.
أنا لا أتذكر.
لأنكِ بعد ذلك تعرضتِ للحادث.
هنا عاد شيء من صورة مبهمة إلى ذهن ريم. ليلة ممطرة. تقاطع. ضوء قوي. ارتجاج عنيف.
أي حادث؟
الحادث الذي محا الأشهر الأخيرة من ذاكرتك جزئيًا. بعده اختفيتِ من حياتي تمامًا. حاولت الرجوع إليك، لكن أمنا.
قاطعتها ريم بحدة: لا تقولي أمنا.
رفعت ليان كتفيها. والدتكِ الحالية تعرف بوجودي. لا أعرف ماذا قالت لكِ وماذا أخفت. لكن بعد الحادث رُفض دخولي إليكِ، ثم تحرك الطرف الآخر بسرعة. ماتت نجلاء. اختفت ابنتها. واختفت النسخة الأساسية لبعض الوثائق. بقيت النسخ التي أخفيناها أنتِ وأنا.
والمواعيد؟
كنت أحاول أن أعيدكِ إلى المسار بدون أن أكشف نفسي مباشرة. لأن هاتفي كان مراقبًا فترات طويلة. ولأنني لم أكن متأكدة: هل فقدتِ الذاكرة فقط، أم أنكِ خفتِ وقررتِ الانسحاب؟
ولماذا ظهر شخص آخر يستخدم اسمي أيضًا؟
نظرت ليان إليها وقالت: لأنه ليس شخصًا آخر. بعضها أنا. والبعض امرأة تعمل مع المحامي. كانت تريد أن تسبقك للوثائق.
صمتت ريم وهي تستوعب. ثم سألت: أين الوثيقة الأساسية الآن؟
ردت ليان: عند مها. أو كانت عند مها. لهذا يجب أن نجدها أولًا.
ومن مها؟
ابنة نجلاء. والشخص الوحيد الذي يعرف أين النسخة الأصلية.
الفصل السادس عشر: المطاردة
لم يكد الحديث ينتهي حتى سُمعت حركة خارج الشقة. ليست خطوات عابرة، بل محاولة صامتة لمقبض الباب.نظرت ليان نحو الباب فورًا، وأطفأت المصباح الصغير. صار المكان مظلمًا إلا من ضوء خافت من الشارع. همست: تأخروا أقل مما توقعت.
همست ريم: من؟
إن كان المحامي وحده فسنخرج بهدوء. وإن كان غيره فسنركض.
عاد المقبض يتحرك. ثم جاء صوت احتكاك معدني قرب القفل.
أمسكت ليان بيد ريم وسحبتها إلى المطبخ الخلفي. هناك نافذة صغيرة تطل على ممر الخدمة. فتحتها بصعوبة، ثم أشارت لها بالصعود أولًا. في اللحظة نفسها سُمعت دفعة قوية على الباب الخارجي.
خرجتا إلى الممر الخلفي الضيق، ثم نزلتا الدرج المعدني الخارجي إلى الفناء. لم تركضا مباشرة، بل اختبأتا خلف حاوية كبيرة حتى مرّ رجلان مسرعان نحو الجهة الأمامية للبناية.
همست ريم: هل رأيتهما؟
قالت ليان: لا. لكن لا نحتاج رؤية الوجوه. يكفي أنهم لا يريدوننا أن نلتقي.
تحركتا سريعًا إلى سيارة ليان المتوقفة بعيدًا.
داخل السيارة، أغلقت ليان الأبواب وقالت: الآن ستصدقين أن القصة أكبر من رسائل ومواعيد.
قالت ريم: إلى أين؟
إلى مها.
وأين هي؟
في مكان لا يمكن الوصول إليه إلا إذا استعملتِ الاسم الذي نسيتيه.
الفصل السابع عشر: الاسم الآخر
أوقفت ليان السيارة قرب بناية صغيرة فيها شقق مفروشة على أطراف المدينة. لم تدخلا مباشرة. أعطتها ليان هاتفًا قديمًا بلا شريحة وقالت: حين نصعد، إذا سألك أحد عن الاسم فقولي نورة. لا ريم.من نورة؟
الاسم الذي استُخدم في بعض الأوراق القديمة قبل تثبيت السجل النهائي.
أنتِ تمزحين.
أتمنى.
صعدتا إلى الطابق الرابع. طرقت ليان الباب 407 ثلاث طرقات متباعدة. لم يفتح أحد. طرقت مرة أخرى بنمط مختلف. بعد دقيقة، فُتح الباب جزءًا صغيرًا وظهرت عين متوترة خلف السلسلة المعدنية.
قالت ليان: نحن من طرف نجلاء.
جاء صوت امرأة: نجلاء ماتت.
نعرف.
قالت المرأة من الداخل: اسمها؟
نظرت ليان إلى ريم.
قالت ريم بعد تردد: نورة.
سكتت المرأة ثواني، ثم أغلقت الباب لتفك السلسلة. حين دخلتا، وجدت ريم نفسها أمام امرأة شاحبة في الثلاثينيات تقريبًا، واضحة الإرهاق، لكن عينيها متيقظتان. قالت بلا ترحيب: أنتِ هي إذًا. ظننتك لن تتذكري أبدًا.
قالت ريم: أنا ما زلت لا أتذكر.
قالت المرأة: جيد. التذكر الكامل ليس دائمًا ميزة.
كانت هذه مها، ابنة نجلاء.
على الطاولة الصغيرة أمامها حقيبة رمادية مغلقة بقفل رقمي. أشارت إليها وقالت: هذه النسخة الأصلية. لكن قبل أن أعطيها لأحد أريد أن أعرف: هل أنتما هنا لإنهاء القصة أم لبيعها؟
قالت ليان: لإنهائها.
أما ريم فسألت: ماذا يوجد فيها تحديدًا؟
نظرت مها إليها طويلًا وقالت: إثبات نسب. وتعديل سجلات. وعقد نقل ملكية بُني على تزوير قديم. الوثائق لا تخص العقار فقط. تخصك أنتِ أيضًا.
الفصل الثامن عشر: القرار
جلست الثلاث على ضوء مصباح واحد. شرحت مها أن نجلاء احتفظت عبر السنوات بنسخ من أوراق كانت في الأصل لدى رجل توفي منذ زمن، وكان له دور مباشر في فصل الطفلتين ثم إخفاء أثر ذلك ضمن نزاع عائلي على إرث كبير، أحد عناصره عقار تجاري قديم تحوّلت قيمته لاحقًا إلى ثروة.قالت مها: حين مرضت أمي، بدأوا يضغطون عليها لتسليم كل شيء. كانت تعرف أنهم إذا حصلوا على الأوراق سيغلقون الملف نهائيًا، ولن يبقى ما يثبت شيئًا.
من هم؟ سألت ريم.
قالت مها: ليسوا عصابة كما تتصورين. هم أشخاص بوجوه محترمة، يعرفون كيف يستخدمون المحامين والسجلات والنفوذ. النوع الذي لا يهددك في شارع مظلم، بل يمحوك من الورق أولًا.
ثم وضعت الحقيبة أمامهما.
أنا لن أحتفظ بها أكثر. منذ وفاة أمي وأنا أتنقل. واليوم حاول اثنان اللحاق بي من السوق. المسألة انتهت. إما أن نسلّمها لجهة لا يستطيعون شراءها، أو ندفنها للأبد.
نظرت ليان إلى ريم وقالت: القرار لكِ.
لماذا أنا؟
لأن اسمكِ هو المفتاح القانوني الأنظف بينهم. أنا يمكن الطعن بي. مها شاهدة متضررة. لكن أنتِ أنتِ الورقة التي لم يحسبوا أنها ستعود.
لم ترد ريم فورًا. كان رأسها مزدحمًا، لا بالصدمة وحدها، بل بالغضب. غضب من تاريخ لم تختره، ومن أم ربما أخفت عنها نصف حياتها، ومن ذاكرة خانتها في الوقت الخطأ، ومن امرأة تشبهها جاءت من مكان مظلم لتعيد ترتيب كل شيء بالقوة.
لكن خلف كل ذلك سؤال عملي واضح: ماذا ستفعل الآن؟
قالت أخيرًا: لن نذهب إلى المحامي.
هزت ليان رأسها موافقة.
قالت ريم: سنذهب مباشرة إلى جهة تحقيق أو جهة رسمية تحفظ النسخ وتثبت الاستلام.
قالت مها: لدي اسم موظف ثقة في النيابة كان يعرف أمي عبر قضية أخرى. لكنه لا يعمل إلا إذا رأى شيئًا حقيقيًا.
قالت ريم: إذًا سيراه.
الفصل التاسع عشر: الفجر الجديد
قبل الفجر بساعة، تحركت السيارة في طرق شبه خالية. كانت الحقيبة الرمادية في المقعد الخلفي، والفلاشة في جيب ريم، وكل واحدة من النساء الثلاث تعرف أن ما بعد هذا الطريق لن يشبه ما قبله.في الإشارة الطويلة قرب الطريق الدائري، نظرت ريم إلى انعكاسها الخافت في الزجاج، ثم التفتت إلى ليان الجالسة بجانبها.
قالت: إذا انتهى هذا كله ماذا سيحدث؟
أجابت ليان بعد صمت قصير: ربما لا شيء درامي. لن نركض في مطار، ولن تنكشف أسرار على التلفزيون. ربما فقط نبدأ من الحقيقة بدل الرواية الجاهزة.
وأنتِ؟
أنا؟ ابتسمت ليان للمرة الأولى ابتسامة فيها شيء من التعب الحقيقي. أنا أريد اسمًا لا أحتاج أن أسرقه.
نظرت ريم إلى الطريق مرة أخرى.
كانت هذه أول جملة تسمعها من ليان تشبه إنسانًا لا لغزًا. وأول مرة شعرت أن الشبه بينهما ليس في الملامح فقط.
الخاتمة
عند السابعة وثماني عشرة دقيقة صباحًا، دخلت ريم مبنى الجهة الرسمية ومعها الحقيبة والوثائق، لا كضحية لمواعيد مجهولة، بل كشخص وصل أخيرًا إلى قلب القصة التي كان الآخرون يحاولون رسمها له من الخارج.قبل أسبوع واحد فقط، كانت الرسائل بالنسبة لها مصدر إزعاج غامض، شيئًا يمكن حله بإلغاء موعد وتغيير كلمة مرور. أما الآن فقد عرفت أن بعض الرسائل لا تأتي لتخبرك بشيء، بل لتدفعك إلى باب كنت ستظل تغلقه لو تُركت وحدك.
لم تعد القضية مجرد شخص مجهول يحجز مواعيد باسمها.
القضية أن اسمها نفسه لم يكن كاملًا كما ظنت.
وحياتها لم تكن قصتها وحدها.
وأن هناك من بنى سنوات من الصمت على افتراض واحد: أنها لن تعود لتسأل.
لكنها سألت.
ثم فتحت الباب.
ثم وجدت الملف.
وفي بعض القصص، هذه هي اللحظة التي يبدأ عندها كل شيء، لا اللحظة التي ينتهي فيها.


شاركني شعورك بعد القراءة.. وجودك يهمني.