همسة خواطر (2)

اضطراب ثنائي القطب قصة بين الهوس والاكتئاب لا تشبه أحدًا

صورة فنية تعبر عن انقسام الحالة النفسية بين طاقة عالية واكتئاب عميق بدون ظهور أشخاص
بين قمة لا تتوقف وقاع لا يُحتمل، يعيش البعض صراعًا لا يُرى
بداية لا تُشبه أحدًا

لم أكن أعرف أن الإنسان يمكن أن يعيش داخل شخصيتين دون أن يكون ممثلًا، أو كاذبًا، أو حتى واعيًا بذلك. لم أكن أعرف أن هناك أيامًا سأكون فيها في أعلى نسختي، وأيامًا أخرى بالكاد أتعرف فيها على نفسي.
كان كل شيء يبدو طبيعيًا في البداية، أو هكذا أقنعت نفسي. مجرد تقلبات مزاج، شيء يمر به الجميع. لكن مع الوقت، بدأت أشعر أن ما يحدث داخلي ليس عاديًا ليس بسيطًا وليس مؤقتًا.
كنت أعيش حالتين لا تلتقيان ولا تفهم إحداهما الأخرى.

حين ترتفع الحياة أكثر من اللازم

في بعض الأيام، كنت أستيقظ وكأن الحياة فتحت أبوابها لي كلها دفعة واحدة. طاقة غير طبيعية تسري في جسدي، أفكار تتدفق بلا توقف، وثقة تجعلني أرى نفسي قادرة على كل شيء.
لم أكن أحتاج للنوم كثيرًا، ولم أشعر بالتعب. كنت أتكلم بسرعة، أضحك كثيرًا، أبدأ أشياء كثيرة في نفس الوقت وكأن الزمن لا يكفي لكل ما أريد فعله.
كنت أرى العالم مكانًا واسعًا ينتظرني وكنت متأكدة أنني سأصل.
لكن الحقيقة التي لم أكن أراها حينها أنني لم أكن في حالة طبيعية من السعادة.
كنت في حالة اندفاع أقرب لما يُعرف بـ الهوس.

الاندفاع الذي لا يبدو خطيرًا في البداية

في تلك اللحظات، كنت أتخذ قرارات بسرعة لا تشبهني. أشتري دون حاجة، أبدأ مشاريع دون تخطيط، أعد نفسي بإنجازات كبيرة وأصدقها.
كنت أبدو قوية، واثقة، ومليئة بالحياة لكن داخلي كان يتحرك بسرعة أكبر من قدرتي على السيطرة.
لم أكن أرى الخطر.
لأن الشعور كان جميلًا بل مغريًا.

الانطفاء المفاجئ

ثم، دون إنذار ينطفئ كل شيء.
لا يوجد حدث واضح، لا سبب مباشر. فقط أشعر وكأن الطاقة التي كانت تملأني اختفت فجأة، وكأن أحدهم سحب الحياة من داخلي بهدوء.
أستيقظ يومًا، ولا أريد النهوض. أفتح عيني، وأتمنى لو لم أفعل.
كل شيء يصبح ثقيلًا. حتى أبسط الأشياء مثل الكلام، أو التفكير، أو حتى الابتسام تحتاج جهدًا لا أملكه.
كنت أدخل في مرحلة أخرى مرحلة الاكتئاب.

حين يصبح الصمت هو الصوت الوحيد

في تلك الحالة، لم أكن حزينة فقط كنت فارغة.
أجلس لساعات دون أن أفعل شيئًا. أنظر إلى الجدار، إلى هاتفي، إلى الفراغ ولا أشعر بشيء.
الأشياء التي كانت تفرحني لم تعد تعني لي شيئًا. الأشخاص الذين أحبهم لم أعد أملك طاقة للحديث معهم.
كنت أختفي بصمت.

صراع لا يراه أحد

الأسوأ لم يكن التغير بل التكرار.
كلما ارتفعت، سقطت بعدها. وكلما سقطت، عرفت أن الارتفاع سيأتي ثم السقوط مرة أخرى.
كنت عالقة في دائرة لا تنتهي.
لا أستطيع أن أعيش بثبات، ولا أستطيع الهروب من هذا التناقض.

تفسير الآخرين الذي لم يساعدني

حين كنت في حالتي المرتفعة، كانوا يقولون:
هكذا نريدك أخيرًا صرتِ إيجابية.
وحين أسقط، يقولون:
أنتِ تبالغين غيري تفكيرك لم يفهم أحد أنني لا أختار هذا.
أنني لا أستطيع أن أكون في حالة واحدة حتى لو أردت.

اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء

في أحد الأيام، كنت أتكلم بسرعة، أتحرك، أضحك ثم فجأة شعرت بشيء غريب.
كأنني أراقب نفسي من الخارج.
رأيت الاندفاع ورأيت التعب خلفه.
في تلك اللحظة، أدركت أن هناك شيئًا أكبر من مجرد مزاج.
شيئًا يحتاج أن يُفهم لا أن يُتجاهل.

حين وجدت الاسم

عندما عرفت عن اضطراب ثنائي القطب، لم أشعر بالراحة فورًا.
لكنني شعرت بشيء مهم الفهم.
الهوس الاكتئاب التقلبات كلها كانت تصفني بدقة.
لم أكن ضعيفة.
ولم أكن متناقضة بلا سبب.
كنت أعيش حالة نفسية حقيقية.

بين القبول والخوف

لم يكن من السهل تقبل الفكرة.
أن تعيش وأنت تعرف أن مزاجك قد ينقلب في أي وقت أن تشعر أنك تحتاج أن تراقب نفسك أن تتعلم كيف تهدأ حين ترتفع، وكيف تتمسك بنفسك حين تسقط.
لكن في نفس الوقت كان هناك شيء من الطمأنينة.
لأنني أخيرًا فهمت.

حياة تُدار لا تُترك

بدأت أتعلم كيف أتعامل مع نفسي.
حين أرتفع، لا أصدق كل أفكاري.
وحين أسقط، لا أصدق كل مشاعري.
أصبحت أراقب، أفهم، وأحاول أن أكون أكثر لطفًا مع نفسي.
لم أعد أطلب الكمال فقط التوازن.

نهاية مختلفة

أنا لا أعيش حياة سهلة.
لكنني أعيش حياة واعية.
أعرف أنني قد أرتفع وقد أسقط لكنني لم أعد أضيع بينهما كما كنت.
أنا لست الهوس ولست الاكتئاب.
أنا الشخص الذي يعيش بينهما ويحاول أن يبقى.

تنويه مهم

هذه القصة تعكس تجربة نفسية محتملة لشرح اضطراب ثنائي القطب بطريقة إنسانية، ولا تُعد تشخيصًا طبيًا. في حال الشعور بأعراض مشابهة يُنصح بمراجعة مختص نفسي للحصول على الدعم المناسب.
الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.