recent
أخبار ساخنة

لماذا يبتعد الإنسان عن الله رغم أنه يحتاجه؟

شخص يجلس على صخرة ينظر إلى مسجد وقت الغروب في مشهد هادئ يعبر عن التأمل والبحث عن الطمأنينة
بعض المسافات لا تُرى لكنها تُشعرنا بكل شيء
ليس قرارًا بل انسحاب صامت

لم يكن البعد يومًا قرارًا واضحًا تتخذه وأنت بكامل وعيك، لم تجلس مع نفسك وتقول: سأبتعد عن الله. لم يحدث هذا أبدًا. كل ما حدث كان أشبه بانسحاب هادئ، غير ملحوظ، كأن شيئًا داخلك بدأ يتراجع خطوة خطوة دون أن ينتبه أحد حتى أنت.
كنت ما زلت تؤمن، ما زلت تعرف أن الله قريب، لكنك لم تعد تقترب كما كنت. لم تعد تلك الرغبة العميقة في الدعاء تشتعل داخلك، ولم تعد تلك الطمأنينة تنزل عليك بسهولة. فقط بدأت تتأخر، تتثاقل، تؤجل، حتى أصبحت المسافة أكبر مما كنت تتخيل.
والأغرب من ذلك أنك لم تشعر بالخطر، لأن البعد لا يأتي كصدمة، بل كاعتياد.

قلب امتلأ بكل شيء إلا السكينة

مع مرور الأيام، امتلأ قلبك بأشياء كثيرة لا علاقة لها بالطمأنينة. تفاصيل الحياة، أخبار لا تنتهي، مقارنات خفية، ضغوط صامتة، وأفكار تتزاحم دون توقف. كل هذا جعل قلبك مزدحمًا لكنه فارغ في نفس الوقت.
فارغ من السكون، من الصفاء، من تلك اللحظة التي كنت تشعر فيها أنك بخير فقط لأنك قريب.
لم تترك الله، لكنك تركت المساحة التي كان يسكنها داخلك. ومع الوقت، لم يعد قلبك يعرف كيف يهدأ.

حين يصبح الهروب أسهل من المواجهة

في لحظات الصدق، تدرك أن المشكلة لم تكن في الظروف، بل في قدرتك على مواجهة نفسك. لأن القرب من الله يحتاج منك أن تكون صادقًا، أن ترى أخطاءك دون تجميل، أن تعترف أنك لم تكن كما يجب.
وهذا مرهق.
مرهق أن تواجه نفسك وأنت متعب أصلًا. لذلك تختار الهروب، تؤجل، تبتعد قليلًا، فقط لترتاح من هذا الثقل الداخلي. لكنك لا تنتبه أن هذا القليل يكبر مع الوقت حتى يصبح بُعدًا حقيقيًا.

الخوف من النور لا من الظلام

بعض القلوب لا تخاف من الظلام كما نظن، بل تخاف من النور. لأن النور لا يترك شيئًا مخفيًا، يكشف كل الزوايا التي حاولت تجاهلها.
القرب من الله نور، وهذا النور يعني أنك سترى نفسك بوضوح وهذا ليس سهلًا دائمًا.
لذلك، يختار الإنسان البقاء في منطقة رمادية، لا يبتعد تمامًا ولا يقترب بصدق. فقط يبقى في المنتصف، حيث لا يرى الحقيقة كاملة.

الإيمان الذي بقي والشعور الذي اختفى

ما زلت تؤمن، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. لكن الإيمان وحده لا يكفي ليمنحك ذلك الشعور العميق الذي كنت تعرفه. لأن الشعور يحتاج حضورًا يحتاج قلبًا حاضرًا، لا جسدًا يؤدي فقط.
تصلي، لكن ذهنك بعيد. تدعو، لكن كلماتك لا تخرج من قلبك كما كانت. تقرأ، لكنك لا تتأثر.
وهنا يبدأ نوع صامت من الفتور حين يصبح كل شيء صحيحًا في الظاهر، لكنه فارغ في الداخل.

حين يتحول الذنب إلى جدار لا باب

الذنب في أصله باب، باب للرجوع، للانكسار الجميل الذي يعيدك إلى الله. لكنه أحيانًا يتحول إلى جدار، إلى شيء يمنعك بدل أن يقربك.
تشعر بثقل الخطأ، فتظن أنك لا تستحق أن تقترب. تخجل من الدعاء، تتردد في الصلاة، تؤجل الرجوع، وكأنك بحاجة لأن تصبح أفضل قبل أن تعود.
لكن هذا التفكير هو ما يبقيك بعيدًا.

الوهم الذي يخبرك أنك لا تستحق الرجوع

أخطر فكرة قد تسيطر عليك هي أنك تأخرت كثيرًا. أن الرجوع لم يعد كما كان، أن الطريق أصبح أصعب، أن الله ربما لن يقبلك بنفس القرب.
لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير الله لا يتغير.
أنت فقط من ابتعد، وأنت من يستطيع أن يعود. لا يوجد حد معين للرجوع، ولا لحظة تقول فيها: انتهى كل شيء.
هذا الوهم هو أكبر مسافة بينك وبين الله.

العودة التي لا تحتاج أن تكون أفضل

الرجوع لا يحتاج منك أن تصلح كل شيء أولًا. لا يحتاج أن تصبح نسخة مثالية، ولا أن تتخلص من كل أخطائك قبل أن تقترب.
الرجوع هو البداية وليس النتيجة.
يكفي أن تبدأ وأنت كما أنت. مكسورًا، مترددًا، حتى لو كنت غير متأكد من نفسك. الله لا ينتظر منك الكمال بل ينتظر منك الصدق.

بدايات صغيرة لا يلاحظها أحد

أحيانًا ننتظر لحظة كبيرة تغيّرنا، موقفًا قويًا يعيدنا، لكن الحقيقة أن التغيير يبدأ بصمت. بأشياء صغيرة جدًا، لا يراها أحد.
دعاء خفيف قبل النوم، استغفار بلا صوت، دمعة سريعة لا يعرفها أحد. هذه التفاصيل البسيطة هي التي تعيد ترتيب قلبك.
الرجوع لا يكون مفاجئًا بل يتسلل إليك بهدوء، كما تسلل البعد.

حين تشعر أن كل شيء ثقيل

تمر لحظات تشعر فيها أن كل شيء داخلك مرهق، حتى فكرة الرجوع تبدو ثقيلة. لا طاقة لديك، لا رغبة، لا شعور يدفعك.
وهنا تحديدًا يكون الرجوع أقرب مما تظن.
لأن الله لا ينتظر منك قوة، بل ضعفًا صادقًا. لحظة تقول فيها: أنا لا أستطيع لكني أحتاجك.
هذه اللحظة كافية.

الله لم يبتعد أنت فقط أدرْت ظهرك

حين تعود، ولو قليلًا، ستكتشف شيئًا لم تكن تتوقعه. لن تجد تلك المسافة التي تخيلتها، لن تجد بابًا مغلقًا، ولا رفضًا كما كنت تخاف.
ستجد سكينة هدوءًا شعورًا مألوفًا كأنك عدت إلى مكانك الحقيقي.
الله لم يبتعد يومًا، لم يتغير، لم يتركك.
أنت فقط ابتعدت قليلًا، وربما أطلت الغياب لكنك لم تُطرد.

الطريق الذي لا يُغلق مهما تأخرت

الرجوع ليس نهاية لحظة، بل بداية طريق طويل. قد تتقدم، ثم تتراجع، قد تشعر بالقرب، ثم بالفتور مرة أخرى.
لكن الفرق أنك الآن تعرف الطريق.
تعرف أن الباب لا يُغلق، أن الله لا يملّ من رجوعك، حتى لو تكررت أخطاؤك. تعرف أن كل مرة تعود فيها هي بداية جديدة، مهما بدت صغيرة.
وهذا وحده يكفي.
يكفي لتبدأ، مرة بعد مرة، دون أن تخاف من السقوط، لأنك عرفت أخيرًا أن الرجوع دائمًا ممكن.

author-img
الكاتبة ساره سالم الغامدي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX