recent
أخبار ساخنة

كيف تتحول من شخص حساس إلى شخص لا يتأثر؟

شخص يحمل مرآة فارغة في الضباب يرمز إلى التحول من شخص حساس إلى شخص لا يتأثر وفقدان المشاعر
كيف تصبح بلا شعور دون أن تشعر؟

البداية التي كانت تشبه الحياة

لم أكن ضعيفًا كما كانوا يظنون، كنت فقط أشعر أكثر مما ينبغي.
كانت التفاصيل الصغيرة تسكنني، وتكبر داخلي حتى تصبح شيئًا لا يمكن تجاهله. كلمة عابرة كانت تترك أثرًا طويلًا، ونظرة صامتة كانت تفتح بابًا من الأسئلة لا ينتهي، وغياب شخص ليوم واحد كان يجعلني أعيد ترتيب كل شيء في رأسي، كأنني أبحث عن خطأ لا أراه.
كنت أعيش بقلبي، لا بعقلي، أفسر، أحلل، أتأمل، وأشعر أشعر بكل شيء دفعة واحدة. لم أكن أعرف كيف أتجاهل، ولا كيف أتصنع اللامبالاة، ولا كيف أمرّ على الأشياء مرورًا عابرًا. كل شيء كان يمرّ من داخلي، لا من حولي.
كانوا يقولون إن الحساسية الزائدة مشكلة، وإن الإنسان يجب أن يكون أقسى قليلًا حتى يعيش، لكنني لم أفهم ذلك في البداية. كنت أظن أن الشعور نعمة، وأن القلب الذي يحسّ هو قلب حي، وأن القسوة نقص لا أكثر.
لكن الحياة لا تعطي دروسها بالكلام، بل بالتجربة، والتجربة لا تأتي مرة واحدة بل تأتي على شكل مواقف صغيرة، متكررة، متشابهة، حتى تفهم الدرس دون أن يُشرح لك.

التحول الذي لا نلاحظه

لم يحدث شيء كبير في لحظة واحدة، لم يكن هناك مشهد درامي واضح أستطيع أن أعود إليه وأقول إن كل شيء تغيّر بعده. التحول الحقيقي لا يأتي بصوت مرتفع، بل يتسلل بهدوء، كأنه جزء طبيعي من الأيام، كأنه شيء عادي لا يستحق الانتباه.
في البداية، بدأت أتعب من التفسير، من محاولة فهم كل تصرف، من البحث عن أسباب لكل شيء يحدث. كنت أرهق نفسي في تحليل نوايا الآخرين، وأبرر أخطاءهم، وأجد لهم الأعذار، وأحمّل نفسي دائمًا الجزء الأكبر من الخطأ.
ثم بدأت أختصر. لم أعد أسأل كثيرًا، لم أعد أبحث عن الإجابات، ولم أعد أحاول إصلاح كل شيء. تركت بعض الأسئلة معلقة، وتركت بعض المواقف تمر دون تحليل، ليس لأنني أصبحت أقوى، بل لأنني أصبحت أكثر تعبًا.
مع الوقت، لم يعد الأمر مجرد تعب، بل أصبح عادة. بدأت أتجاهل أشياء كانت تزعجني، وأمرّ على مواقف كانت تؤلمني، وكأنها لا تعنيني. لم يكن ذلك قرارًا واعيًا، بل كان أشبه بردة فعل تلقائية، كأن داخلي قرر أن يخفف الحمل بأي طريقة.

حين تبدأ المشاعر بالانسحاب

في مرحلة ما، لم أعد أبكي كما كنت، ولم أعد أغضب كما كنت، ولم أعد أفرح كما كنت. لم يكن هناك شعور واضح يمكن تسميته، بل كان هناك فراغ هادئ، مساحة خالية من الانفعال، كأن كل شيء أصبح أقل أهمية مما كان عليه.
كنت أظن أن هذا تطور، أنني تعلمت كيف أسيطر على نفسي، وكيف لا أسمح لأي شيء أن يؤثر فيّ. كنت أعتقد أنني أصبحت أكثر نضجًا، وأكثر توازنًا، وأكثر قدرة على التعامل مع الحياة دون مبالغة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة قليلًا. لم أكن أكثر توازنًا، كنت فقط أقل شعورًا.
بدأت ألاحظ أن الأشياء التي كانت تهمني لم تعد تحركني، وأن الأشخاص الذين كانوا يشغلون تفكيري لم يعودوا يمرّون في ذهني كما كانوا. لم أعد أنتظر أحدًا، ولم أعد أشتاق كما كنت، ولم أعد أخاف من الخسارة بنفس الطريقة.
كان هناك هدوء غريب، هدوء يشبه الراحة من الخارج، لكنه يحمل شيئًا ناقصًا من الداخل.

القسوة التي نظنها قوة

في هذه المرحلة، يبدأ الإنسان بالتصديق أنه أصبح قويًا. يظن أن عدم التأثر يعني السيطرة، وأن اللامبالاة تعني النضج، وأن البرود هو الحل الذي كان يبحث عنه منذ البداية.
لكن القسوة ليست دائمًا قوة، أحيانًا تكون نتيجة. نتيجة لتراكمات لم تُعالج، ومشاعر لم تُفهم، وتجارب لم تُغلق بشكل صحيح.
حين يتوقف الإنسان عن الشعور، لا يعني ذلك أنه تجاوز، بل قد يعني أنه تعب من المحاولة. وحين لا يتأثر، لا يعني أنه أصبح فوق المواقف، بل قد يعني أنه لم يعد يملك طاقة كافية ليشعر.
القسوة التي تأتي بعد الحساسية ليست تحولًا طبيعيًا، بل هي رد فعل، دفاع صامت يحاول حماية ما تبقى في الداخل.

ماذا حدث في الداخل فعلًا؟

الحقيقة التي لا نحب مواجهتها هي أننا لم نصبح أقوى، بل أصبحنا أكثر حذرًا. لم نعد نثق بسهولة، ولم نعد نعطي كما كنا، ولم نعد نندفع بنفس البراءة.
تعلمنا أن نقلل توقعاتنا، وأن نخفض سقف مشاعرنا، وأن نضع مسافة بيننا وبين كل شيء قد يؤلمنا.
هذا ليس نضجًا كاملًا، بل توازن مؤقت بين ما نريد أن نشعر به، وما نخاف أن نشعر به.
الإنسان الحساس لا يختفي، بل يتراجع إلى الداخل، يراقب بصمت، ويتجنب المواجهة، ويحاول أن يعيش بأقل قدر ممكن من التأثر.

للحظة التي تكتشف فيها الحقيقة

تأتي لحظة ما، غالبًا في موقف بسيط، تكتشف فيها أنك لم تعد كما كنت.
ليس لأنك أصبحت أفضل، بل لأنك أصبحت مختلفًا.
قد يكون ذلك حين لا تشتاق لشخص كان يعني لك الكثير، أو حين لا تتألم من موقف كنت ستبكي بسببه سابقًا، أو حين تمرّ أيام دون أن تشعر بأي شيء حقيقي.
في تلك اللحظة، تدرك أن الهدوء الذي تعيشه ليس راحة كاملة، بل هو غياب لشيء كان يملأك.
تدرك أن القسوة التي اعتقدت أنها قوة، كانت مجرد طريقة لتنجو، لا لتعيش.

هل هذا شفاء أم فقدان؟

السؤال الذي يبقى في النهاية ليس: كيف تغيرنا، بل: هل ما وصلنا إليه هو ما كنا نريده فعلًا؟
هل اللامبالاة التي نعيشها الآن هي سلام، أم أنها مجرد مرحلة من الانطفاء؟
هل القسوة التي نحتمي بها هي قوة، أم أنها جدار نخفي خلفه تعبًا لم نعالجه؟
لا توجد إجابة واحدة تناسب الجميع، لكن المؤكد أن الإنسان لا يُخلق بلا شعور، وأن القلب الذي كان يمتلئ بالحياة لا يتحول فجأة إلى فراغ دون سبب.

ما بين الحساسية والقسوة

ربما المشكلة لم تكن في الحساسية، ولا في القسوة، بل في غياب التوازن بينهما. أن تشعر لا يعني أن تنكسر، وأن لا تتأثر لا يعني أن تتجمد.
الحياة لا تحتاج قلبًا قاسيًا، ولا قلبًا هشًا، بل تحتاج قلبًا يفهم متى يشعر، ومتى يتوقف، ومتى يحمي نفسه دون أن يفقد نفسه.

النهاية التي لا تشبه البداية

أنا لم أعد ذلك الشخص الذي يتأثر بكل شيء، ولم أعد ذلك الذي يحلل كل كلمة، ولم أعد ذلك الذي ينتظر كثيرًا.
لكنني أيضًا لست كما كنت أتمنى أن أكون.
أنا فقط شخص تعلّم أن يقلل شعوره،كي لا يتعب أكثر.
وهذا بحد ذاته،ليس قوة كما يبدو،بل حكاية طويلة بدأت بقلب حساس،وانتهت بشخص لا يتأثر.
author-img
الكاتبة ساره سالم الغامدي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX