![]() |
| أحيانًا لا تعكس المرآة ملامحنا بل تكشف المسافة بيننا وبين أنفسنا |
بداية لا تُرى لكنها حقيقية
لم يكن هناك صوت عالٍ يعلن أن شيئًا ما بدأ، ولا لحظة واضحة أستطيع أن أعود إليها وأقول إنني عندها تغيرت، بل كان الأمر أشبه بانزلاق هادئ، كأنني بدأت أبتعد عن نفسي دون أن أتحرك خطوة واحدة. في البداية كان كل شيء يبدو طبيعيًا، حياتي تسير كما يجب، أستيقظ، أتكلم، أتحرك، أضحك، أتعامل، ولا شيء يلفت الانتباه، لكن في داخلي كان هناك شيء يتشكل ببطء، شيء لا يصرخ، بل ينتظر أن ألاحظه.كنت أعيش، لكن ليس بالكامل، كأن هناك جزءًا مني حاضر، وجزءًا آخر يقف بعيدًا يراقب فقط، دون أن يتدخل، دون أن يشعر، دون أن يرفض أو يقبل.
الإحساس الذي لا يمكن الإمساك به
مع الأيام، بدأت ألاحظ أنني لا أشعر كما كنت، ليس لأنني أصبحت أقوى أو أكثر نضجًا، بل لأن الإحساس نفسه بدأ يبهت. الأشياء التي كانت تحركني لم تعد تفعل، الكلمات التي كانت تؤثر بي أصبحت تمر بهدوء، وحتى المواقف التي كانت تثير داخلي ردود فعل واضحة أصبحت عادية بشكل غريب.كنت أضحك، لكن الضحك لا يصل إلى الداخل، كنت أتحدث، لكنني لا أشعر بالكلمات، كنت أعيش التفاصيل، لكنني لا أشعر أنني جزء منها. كان هناك انفصال خفيف، مستمر، لا يمكن تحديده، لكنه موجود في كل شيء.
كنت أحاول أن أفسر ذلك، أقول لنفسي ربما هذا هدوء، ربما راحة، ربما نضج، لكن الحقيقة التي لم أرد الاعتراف بها أنني لم أكن أشعر، وهذا ليس نضجًا.
اللحظة التي سمعت فيها نفسي من الخارج
في أحد الأيام، كنت في حديث عادي جدًا، لا يحمل أي توتر أو ضغط، وفجأة، وأنا أتكلم، شعرت أن الصوت الذي أسمعه ليس لي. لم يكن غريبًا، كان صوتي، بنفس النبرة، بنفس الأسلوب، لكنني كنت أسمعه وكأنني شخص آخر يجلس قريبًا مني.توقفت لثانية قصيرة، ثم أكملت الحديث بشكل طبيعي، ولم يلاحظ أحد شيئًا، لكن داخلي لم يعد كما كان. تلك اللحظة لم تكن مخيفة، لكنها كانت واضحة، واضحة لدرجة أنني لم أستطع تجاهلها.
شعرت أنني خرجت من نفسي دون أن أتحرك.
المرآة التي لم تعد تؤكد وجودي
عدت في ذلك اليوم ووقفت أمام المرآة، لم أكن أبحث عن شكلي، بل عن إحساسي. نظرت إلى وجهي، إلى عينيّ، إلى تفاصيل أعرفها جيدًا، لكن الشعور الذي كنت أبحث عنه لم يكن موجودًا.كنت أعرف أن هذه أنا، لكنني لا أشعر بذلك.
كان الفرق بين المعرفة والشعور واضحًا، مؤلمًا، كأن عقلي يعترف بي، لكن إحساسي لا يفعل. اقتربت أكثر، حدقت أكثر، وكأنني أحاول أن أجد نفسي داخل صورتي، لكن كل ما رأيته مجرد ملامح بلا ارتباط.
الحياة التي تستمر بدوني
مع الوقت، أصبحت ألاحظ أن حياتي تسير حتى عندما لا أشعر أنني موجودة فيها. أخرج، أتكلم، أقرر، أتعامل، وكل شيء يبدو طبيعيًا، بل أحيانًا أفضل من قبل، لكنني لا أشعر أنني أنا من يفعل ذلك.في نهاية اليوم، أسترجع ما حدث، أتذكر كل التفاصيل، لكنني لا أجد نفسي بينها، كأنني أشاهد تسجيلًا لشخص يشبهني، يتحدث بصوتي، يستخدم كلماتي، لكنه لا يحمل إحساسي.
لم يكن هناك خطأ واضح، كل شيء منطقي، لكن الشعور غائب، وهذا ما جعلني أتوقف عن تجاهل الأمر.
التصرفات التي لا تشبهني
بدأت ألاحظ أنني أتصرف بطرق لا تشبهني، أوافق على أشياء كنت أرفضها، أهدأ في مواقف كنت أتوتر فيها، أتحدث بثقة في أماكن كنت أتجنبها.كل شيء يبدو أفضل، لكن ليس لي.
كنت أراجع نفسي بعد كل موقف، وأشعر أنني لم أكن أنا، لم يكن هناك قرار حقيقي، فقط فعل يحدث، وأنا أكتشفه بعد انتهائه.
الانفصال الذي أصبح اعتيادًا
الأخطر أنني بدأت أعتاد ذلك، لم أعد أندهش من لحظات الانفصال، ولم أعد أحاول تفسيرها، بل أصبحت جزءًا من يومي. أحيانًا أكون حاضرة، أشعر بكل شيء، وأحيانًا أخرى أتحرك فقط، أتكلم فقط، أعيش فقط دون أن أكون موجودة فعلًا.كنت أقول لنفسي إن هذا مؤقت، إنني سأعود كما كنت، لكن الأيام كانت تمر، وأنا أبتعد أكثر دون مقاومة حقيقية.
السؤال الذي لم أجد له إجابة
في يوم هادئ جدًا، جلست وحدي، دون أي سبب واضح، وفجأة ظهر سؤال بسيط، لكنه لم يكن عاديًا.من أنا الآن
لم يكن تفكيرًا عميقًا، بل حاجة حقيقية لمعرفة الإجابة. حاولت أن أجيب، أن أصف نفسي، أن أحدد ما أشعر به، لكنني لم أستطع.
لم أعرف من أكون في تلك اللحظة.
لم أعرف إن كنت نفس الشخص الذي كنت عليه، أو مجرد نسخة تعيش فقط.
الفراغ الذي يحمل اسمي
شعرت أن هناك مساحة داخلي، على شكل أنا، لكنها فارغة، أستطيع أن أتكلم، أتحرك، أضحك، وأعيش، لكن لا يوجد شيء يربط كل ذلك بإحساس حقيقي.الاسم الذي أحمله لم يعد يعني الكثير، كأنني أستخدمه فقط، دون أن أشعر أنه يشير إليّ.
الحقيقة التي لم أرد الاعتراف بها
بعد كل هذا، بدأت أفهم شيئًا لم أكن مستعدة لرؤيته.أنا لم أفقد نفسي فجأة.
أنا كنت أتركها.
كل مرة شعرت فيها بشيء لا أريد مواجهته، كل مرة كان هناك إحساس ثقيل، موقف صعب، فكرة مؤلمة، كنت أبتعد، لا أعيش الشعور، لا أواجه، فقط أكمل بدونَه.
ومع كل مرة أفعل ذلك كنت أترك جزءًا مني خلفي.
حتى أصبح الباقي لا يكفي.
بداية وعي وليست نهاية
الآن، وأنا أكتب، لا أستطيع أن أقول إنني عدت كما كنت، لكنني أستطيع أن أقول إنني بدأت ألاحظ، بدأت أرى ما يحدث دون أن أهرب منه.وربما هذا هو الفرق.
لأنني أدركت أخيرًا أن فقدان نفسي لم يكن نهاية مفاجئة، بل نتيجة تراكمات صغيرة لم أواجهها.
وربما إدراكي الآن هو أول خطوة للعودة.
ليس العودة لما كنت عليه.
بل العودة لنفسي كما يجب أن أكون.


شاركني شعورك بعد القراءة.. وجودك يهمني.