همسة خواطر (2)

قصة غامضة شخص يترك لي تعليمات يومية تنقذ حياتي بطريقة مرعبة

ورقة ملفوفة تحتوي على تعليمات غامضة في غرفة هادئة
رسالة لم تُفتح بعد وربما كان فتحها هو الأخطر

البداية التي لم أطلبها

لم يكن في حياتي ما يستدعي القلق، كانت الأيام تمر متشابهة، هادئة، بلا مفاجآت تذكر، أستيقظ في الوقت نفسه، أعد قهوتي، أفتح هاتفي بلا اهتمام، ثم أعود لأكمل يومًا يشبه الذي قبله، لكن في صباح عادي جدًا، كل شيء تغيّر دون مقدمات، حين وجدت ورقة صغيرة على طاولة المطبخ، لم أتذكر أنني وضعتها، ولم يكن خطي، ولم يكن هناك أحد يعيش معي، كانت الجملة قصيرة جدًا لكنها غريبة بما يكفي لتبقى عالقة في ذهني، لا تخرج من المنزل اليوم، ابتسمت بسخرية، ظننتها مزحة ثقيلة من أحدهم، رغم أن لا أحد يملك مفتاح شقتي، مزّقتها وألقيتها، وخرجت وكأن شيئًا لم يكن، لكن بعد ساعتين فقط كنت أقف أمام حادث سير، السيارة التي اصطدمت أمامي كانت في نفس المسار الذي كنت أسلكه قبل دقائق، لو تأخرت قليلًا أو تقدمت قليلًا، ربما كنت أنا مكانهم، عندها فقط لم أعد أضحك.

الرسالة الثانية

في اليوم التالي حاولت أن أنسى، لكنني حين استيقظت، كانت الورقة هناك مرة أخرى، في نفس المكان، بنفس الخط، وكأنها لم تغادر، لا ترد على رقم مجهول اليوم، هذه المرة لم أتعامل معها كمزحة، فقط نظرت إليها طويلًا، ثم وضعتها جانبًا وقررت أن أعيش يومي بشكل طبيعي، لكن في منتصف اليوم، رنّ هاتفي، رقم غير محفوظ، توقفت للحظة، شعرت بشيء داخلي يرفض الرد، فتركت الهاتف حتى صمت، وفي المساء، وصلني خبر أن صديقي تعرّض لعملية احتيال عبر مكالمة مجهولة، نفس السيناريو، نفس التفاصيل تقريبًا، وهنا بدأ القلق يتسلل إليّ ببطء، ليس كخوف واضح، بل كإحساس خفي بأنني دخلت في شيء لا أفهمه.

التعليمات تبدأ

في اليوم الثالث لم أبحث عن الورقة، كنت أعلم أنها ستكون هناك، أخذ الطريق الطويل اليوم، كانت هذه الجملة مختلفة، لم تحذرني من شيء واضح، بل أعطتني خيارًا غريبًا، وقفت أمام مفترق الطرق وأنا أفكر، هل ألتزم أم أتجاهل، وفي النهاية اخترت الطريق الطويل، ربما بدافع الفضول أكثر من الخوف، وبعد ساعة فقط عرفت السبب، حادث كبير أغلق الطريق المعتاد، زحام خانق، تأخير طويل، وكل ذلك جعلني أشعر أن ما يحدث ليس صدفة، بل شيء يتكرر بشكل مقصود.

من يراقبني

بدأت أبحث عن تفسير، راجعت الكاميرات في المبنى، سألت الحارس، تفقدت الأبواب والنوافذ، لم أجد شيئًا، لم يكن هناك أحد، لكن الورقة كانت تصل كل يوم، دائمًا في الصباح، دائمًا بنفس الخط، دائمًا قبل أن أستيقظ بدقائق، وكأن أحدهم يعرف يومي قبل أن أعيشه، يعرف قراراتي قبل أن أتخذها، وهذا ما جعل الأمر أكثر رعبًا من فكرة وجود شخص يراقبني، لأن الشعور الحقيقي كان أن هناك من يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.

أول مرة أتجاهل

في أحد الأيام قررت أن أتوقف عن الطاعة، شعرت أنني أفقد السيطرة على حياتي، كانت الورقة تقول لا تستخدم المصعد اليوم، وقفت أمامها للحظات، ثم تجاهلتها، دخلت المصعد وضغطت الزر وكأنني أتحدى شيئًا غير مرئي، في منتصف الطريق توقف المصعد فجأة، انطفأت الأنوار، ساد الصمت، ثم بدأ القلق يتصاعد داخلي، طرقت الباب، صرخت، مرت دقائق طويلة قبل أن يعود كل شيء، خرجت وأنا أرتجف، لم يكن مجرد عطل، كان شعورًا واضحًا بأنني ارتكبت خطأ.

الخوف الحقيقي

لم يعد الموضوع فضولًا، أصبح خوفًا صامتًا، بدأت أستيقظ قبل الورقة وأنتظرها، أصبحت أقرأها بتركيز، ألتزم بها دون نقاش، ليس لأنني أريد، بل لأنني لا أريد أن أختبر ما يحدث عندما أتجاهلها، كان الالتزام بها يمنحني شعورًا زائفًا بالأمان، وكأنني أؤجل كارثة لا أفهم شكلها.

التعليمات تصبح أغرب

في أحد الأيام كانت الرسالة مختلفة، لا تثق بمن سيطرق بابك مساءً، لم يكن من المفترض أن يأتي أحد، لكن في المساء طُرق الباب، وقفت خلفه بصمت، الصوت كان مألوفًا، صديقة قديمة تناديني باسمي، لكن شيئًا في صوتها كان غريبًا، لم أفتح، بقيت واقفة حتى اختفى الصوت، وفي اليوم التالي علمت أنها لم تكن في المدينة أصلًا، عندها أدركت أن التعليمات لم تعد مجرد تحذيرات عادية، بل أصبحت تتعامل مع أشياء لا يمكن تفسيرها بسهولة.

محاولة الهروب

قررت أن أترك المنزل، أن أبتعد، أن أختفي من هذا المكان، حجزت غرفة في فندق، شعرت أنني أخيرًا خارج هذه الدائرة، لكن في الصباح، كانت الورقة على الطاولة، نفس الخط، نفس الهدوء، لن يفيد الهروب، جلست على الأرض وأنا أحاول أن أفهم كيف وصلت إلى هنا، كيف انتقلت معي، كيف أصبحت جزءًا من يومي مهما حاولت الابتعاد.

الحقيقة التي بدأت تظهر

بدأت أحتفظ بالأوراق، أرتبها، أقرأها من جديد، لاحظت شيئًا مهمًا، لم تكن التعليمات عشوائية، كانت دائمًا تحميني، من حادث، من خطأ، من موقف سيء، كأن هناك من يعرف ما سيحدث ويحاول أن يغيّر مساري، لكن السؤال الذي ظل يلاحقني، لماذا أنا، ومن الذي يفعل هذا، ولماذا لم يظهر أبدًا.

الرسالة التي كسرت كل شيء

في أحد الأيام كانت الورقة أطول من المعتاد، غدًا لا تذهب إلى عملك، ابق في المنزل، أغلق هاتفك، ولا تفتح الباب مهما حدث، شعرت أن هذه ليست نصيحة، بل أمر، ورغم خوفي، التزمت، بقيت في المنزل طوال اليوم، حتى المساء، حين بدأت أصوات فوضى في الخارج، سيارات، صراخ، شيء غير طبيعي، نظرت من النافذة بحذر، كان هناك حادث كبير، في نفس الشارع الذي أعمل فيه، جلست بصمت، أدركت أنني لم أعد أختار، بل أتبع.

المواجهة

في ليلة هادئة قررت أن أواجه، وضعت ورقة على الطاولة وكتبت من أنت، تركتها ونمت، في الصباح كانت هناك ورقة جديدة، لكن هذه المرة لم تكن مجرد تعليمات، بل رد، أنتِ، تجمدت في مكاني، لم أفهم، بدأت أقارن الخطوط، أراجع التفاصيل، كان الخط يشبه خطي، لكن ليس تمامًا، وكأن شخصًا قريبًا جدًا مني كتبه، شخص يعرف كيف أكتب، لكنه ليس أنا الآن.

النهاية التي لم تكن نهاية

مع مرور الأيام بدأت ألاحظ شيئًا مرعبًا، أحيانًا تظهر في ذهني مشاهد قصيرة، لحظات لم تحدث بعد، ثم تتحقق لاحقًا، عندها بدأت أفهم الحقيقة التي كنت أهرب منها، أن هذه التعليمات ليست من شخص آخر، بل من نسخة مني، نسخة عاشت ما سيحدث، وعادت لتحذرني، لتمنع الأخطاء قبل أن تقع، لكن السؤال الذي بقي بلا إجابة، ما هو الشيء الذي سيحدث لو توقفت هذه الرسائل، وما هو الخطأ الذي لم أصل إليه بعد.

الرسالة الأخيرة

في صباح مختلف، كانت الورقة على الطاولة، لكنني لم أفتحها، جلست أمامها طويلًا، شعرت أنني أخاف من معرفتها أكثر من خوفي من تجاهلها، لأنني أدركت شيئًا واحدًا فقط، طالما أن التعليمات مستمرة، فهذا يعني أن الخطر لم ينتهِ بعد، وأن الأسوأ ربما لم يحدث بعد.
الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.