همسة خواطر (2)

أحدهم يعيش في شقتي لكنه لا يظهر إلا عند غيابي

ظل شخص غامض يتحرك داخل شقة في الليل في أجواء مليئة بالغموض والرعب النفسي
هل يمكن أن يعيش شخص معك في نفس المكان دون أن تراه؟ هذه القصة تكشف تفاصيل مرعبة عن ذلك

بداية الشك

لم يكن هناك شيء واضح يمكنني الإمساك به، لا دليل صريح، ولا حادثة كبيرة تبرر القلق، فقط شعور صغير بدأ يتسلل إليّ دون استئذان، شعور غريب بأن شيئًا ما في شقتي لم يعد كما كان، وكأن المكان الذي عرفت تفاصيله بدقة أصبح يحمل حياة أخرى لا أراها.
في البداية تجاهلت الأمر، أقنعت نفسي أنني متعبة، أن ضغط العمل بدأ يؤثر على تركيزي، لكن التفاصيل الصغيرة كانت ترفض أن تختفي.
الكوب الذي أتركه على الطاولة ينتقل إلى مكان آخر، الستارة التي أحرص على إغلاقها أجدها مفتوحة، الوسادة التي أنام عليها تتغير زاويتها وكأن أحدهم جلس عليها ثم غادر.
لم يكن هناك فوضى، لم يكن هناك تخريب، كل شيء كان يبدو طبيعيًا لكنه ليس في مكانه الصحيح.
وهذا ما جعل الأمر أكثر رعبًا.

الأشياء التي لا تُسرق

لو كان هناك لص، لسرق شيئًا، أي شيء، لكن ما يحدث لم يكن سرقة، بل كان استخدامًا، وكأن أحدهم يعيش هنا، يلمس الأشياء، يحركها، ثم يعيدها بهدوء.
بدأت ألاحظ أن الطعام ينقص بشكل غير مبرر، ليس اختفاءً كاملًا، بل كميات صغيرة، قطعة خبز، رشفة عصير، ملعقة من طبق تركته في الثلاجة.
مرة وضعت علامة صغيرة على عبوة الماء، وعندما عدت وجدتها تغيرت، لم تكن ملاحظة يمكن لأي شخص أن ينتبه لها، لكنها كانت كافية لي.
أنا لم أعد وحدي.

محاولة الإنكار

أقنعت نفسي أنني أنسى، أنني ربما أتحرك أثناء الليل دون وعي، أنني أفتح الثلاجة وأنسى، لكن شيئًا في داخلي كان يرفض هذا التفسير.
في إحدى الليالي، قررت أن أختبر الأمر، رتبت كل شيء بعناية شديدة، وضعت أشياء في أماكن محددة، التقطت صورًا لكل زاوية في الشقة، ثم خرجت.
لم أبقَ طويلًا، فقط ساعتين.
عدت وأنا أحاول أن أبدو طبيعية، لكن قلبي كان يسبقني.
دخلت الشقة وكان كل شيء هادئًا.
هادئًا أكثر مما يجب.

أول دليل حقيقي

بدأت أقارن الصور بالواقع، في البداية لم ألاحظ شيئًا، ثم توقفت.
الكرسي.
كان مائلًا بزاوية صغيرة جدًا، زاوية لا تُرى إلا إذا كنت تبحث عنها.
اقتربت منه ببطء، لم ألمسه فورًا، فقط نظرت.
هذا لم يكن مكاني.
هذا ليس كما تركته.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، ليس خوفًا صاخبًا، بل خوف صامت، ثقيل، يضغط على صدري دون أن يسمح لي بالصراخ.
في تلك اللحظة، أدركت أن الأمر لم يعد مجرد شك.

الكاميرا

اشتريت كاميرا صغيرة، لم أخبر أحدًا، لم أكن أريد أن أبدو مجنونة، وضعتها في زاوية لا تُرى بسهولة، موجهة نحو غرفة المعيشة.
تركت الشقة في اليوم التالي، لكن هذه المرة لم أذهب بعيدًا، بقيت في مقهى قريب، أراقب الوقت ببطء شديد.
لم أكن أشاهد البث المباشر، لم أستطع، كنت خائفة من أن أرى شيئًا لا أستطيع تحمله.
انتظرت حتى المساء.
ثم عدت.

لحظة الحقيقة

جلست أمام الكاميرا، يدي كانت ترتجف، ضغطت على التشغيل.
في البداية، لم يكن هناك شيء.
الغرفة فارغة.
الوقت يمر.
كل شيء ثابت.
ثم.
تحرك الستار.
ببطء شديد.
ليس بسبب الهواء، النافذة كانت مغلقة.
ثم ظهر ظل.
ليس واضحًا، ليس شكل إنسان كامل، لكنه موجود.
شخص.
يمشي داخل شقتي.
يتحرك وكأنه يعرف المكان جيدًا.
توقف عند الطاولة، لمس الكوب، جلس على الكرسي.
الكرسي نفسه.
نفس الزاوية.

الصدمة

لم أستطع إكمال المقطع.
أغلقت الجهاز فورًا، شعرت بأن الجدران تضيق حولي، بأن الهواء أصبح أثقل، بأنني لست فقط مراقِبة بل مراقَبة أيضًا.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت حولي.
هل هو هنا الآن؟
البحث
لم أنم تلك الليلة.
مع أول ضوء، بدأت أفتش الشقة، كل زاوية، كل درج، كل خزانة.
لم أجد شيئًا.
لكن شعوري لم يختفِ.
ثم توقفت عند باب صغير لم أكن أستخدمه كثيرًا، باب مخزن داخلي، فتحته ببطء.
كان فارغًا.
أو هكذا بدا.
لكن عندما اقتربت أكثر، لاحظت شيئًا خلف الصناديق.
بطانية.
وقديمة.
ومطوية.
بطريقة لا تشبهني.

الحقيقة التي لا تُحتمل

لم يكن يقتحم الشقة.
لم يكن يأتي ويذهب.
كان يعيش هنا.
في نفس المكان الذي أنام فيه، في نفس المساحة التي أظن أنها لي وحدي.
كل تلك الأيام، كل تلك الليالي.
لم أكن وحدي.

المواجهة

لم أعرف ماذا أفعل.
هل أبلغ الشرطة؟
ماذا سأقول لهم؟
أن شخصًا يعيش في شقتي دون أن أراه؟
أن لدي مقطعًا غير واضح لظل؟
لكنني لم أستطع البقاء.
حزمت بعض أغراضي بسرعة، كنت أرتجف، ليس من الخوف فقط، بل من فكرة أنني كنت أعيش حياة كاملة بينما هناك حياة أخرى موازية لي داخل نفس الجدران.
وقبل أن أخرج.
توقفت.

الصوت

سمعت شيئًا.
من داخل الشقة.
صوت خفيف.
خطوات.
ليست قادمة من الخارج.
بل من الداخل.
من خلفي.

النهاية التي غيّرت كل شيء

تجمدت في مكاني.
لم ألتفت فورًا، كنت أعرف أن اللحظة التي سأراه فيها ستكون النهاية.
أو البداية.
أخذت نفسًا عميقًا، بطيئًا، ثم استدرت.
لم يكن هناك أحد.
لكن الباب.
باب المخزن.
كان مفتوحًا.
أكثر مما فتحته.
وبداخله.
كان هناك شيء جديد.
ورقة.
موضوعة بعناية.
اقتربت ببطء، مددت يدي، التقطتها.
كانت مكتوبة بخط واضح:
أنا لا أظهر عند غيابك.
أنا أظهر عندما تتوقفين عن ملاحظتي.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت حولي مرة أخرى.
هذه المرة.
لم أشعر أنني وحدي.

الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.