همسة خواطر (2)

لا تكن كتابًا مفتوحًا واترك شيئًا منك لك

لا تكن كتابًا مفتوحًا واترك شيئًا منك لك
لا تكن كتابًا مفتوحًا واحتفظ بشيء منك لك
 

لا تكن كتابًا مفتوحًا يمرّ عليه الجميع فيقلبون صفحاته كيفما شاؤوا لا تدعهم يعرفون عنك كل شيء ولا تشرح لهم أعماقك بتفاصيلها الدقيقة احتفظ بشيء منك شيء لا يصلهم لا يقرأونه لا يفسّرونه على طريقتهم ولا يتطفّلون عليه تحت اسم الفضول أو الاهتمام.

كيف تتوقف عن كونك كتابا مفتوحاً وتصبح هادي ومتزن وغامضا


في هذا الزمن كثرت العيون التي ترى لتُحلّل لا لتتفهّم وتكاثرت الألسن التي تسأل لتعرفك لا لتواسيك وأصبح الانكشاف الكامل ضعفًا لا صدقًا فكن عاقلًا وأبقي شيئًا منك لك لست مُطالبًا بأن تعرض قلبك كما هو في ساحةٍ عامّة ولا أن تُفصح عن كل ما لديك فقط لأنك صادق الصمت أحيانًا هو الحصن الأخير الذي نحتمي به من طيش العالم فحافظ عليه.

أتعلم ما معنى أن تملك أكثر مما تُظهر؟

أن تكون ثريًا في الداخل عارفًا ناضجًا حكيمًا،لكنّك لا تتباهى لا تثرثر لا تُلزم الآخرين بمعرفة كل ما تعرف أن تتكئ على جبلٍ داخلي من القوة لكنّك لا تطرق الطاولة لتُريهم مدى ثباتك أن تُجيد الصبر، والاحتمال، والعفو لكنّك لا تتكلم عن ذلك في كل موقف ولا تتوسّل تقديرًا من أحد.
الهدوء ليس دومًا غفلة، والتجاهل ليس دومًا عدم معرفة وأحيانًا من يصمت يرى كل شيء، ويعرف أكثر مما يُتوقع حين تحتفظ بجزء منك لنفسك أنت لا تكذب ولا تتلوّن، ولا تتصنّع بل أنت تضع حدودًا صحية إنسانية تحفظ لك كرامتك، وعمقك وخصوصيتك فليس كل من أحبّك يستحق أن يرى ما لم تره حتى أنت في نفسك. وليس كل من اقترب جدير بأن يُبحر في أعماقك لصدق لا يعني الانكشاف التام،والمشاركة لا تعني النزع الكامل لحجاب القلب.

دعني أقول لك شيئًا بصوتٍ يشبه صوت قلبك

الاحتفاظ لا يعني الكتمان المَرَضي، ولا الانغلاق المتوحّش،بل يعني أن تملك ركنًا خاصًا بك،تلوذ به حين يُرهقك التفسير
وتجلس فيه وحدك، دون تمثيل، دون رتوش، دون جمهورنعم  لك الحق أن تُخفي عن الناس نجاحاتك،أن تحتفظ بجراحك دون أن تصرخ بها،أن تفرح في سرّك،أن تُخطئ وتُصلح دون إعلان،أن تتألم دون منشور، وأن تحب دون ضجيج.
  • أليس مؤلمًا أن يعرف الناس كل خطوة تخطوها؟
  • أن يحلّلوا سكناتك، ونبراتك، وتوقّفك المؤقّت، كأنك مشهد سينمائي متاح لهم؟
  • ألا ترى أن الحياة تفقد معناها حين تصبح كل خصوصياتك “محتوى” قابلًا للعرض؟
  • ألم تشتق لشيء لك وحدك؟
  • ذكرى، حلم، موقف، شخص، ندم، شغف، سؤال لا يشاركك فيه أحد؟ إنه ليس أنانية بل هو توازن.
الناس تغيّرهم المعرفة كلما عرفوا أكثر بدؤوا يتعاملون معك بشكلٍ مختلف،يتوقّعون، يُقيّمون، يُشكّكون، يُحاسبون
وما أن تكون كتابًا مفتوحًا،حتى تُصبح عرضة للشرح، لا للفهم فاحمِ قلبك، ولا تعرضه في المزادواعرف أن بعض الصمت هو بوحٌ من نوع آخر، بوحٌ راقٍ، لا يحتاج كلمات.
وليكن ما تتحدث به أقل مما تعرف احتفظ لنفسك ببعض الأسرار، ببعض الحِكم، ببعض التجارب، ببعض الألم الذي لم يُفهم ففي الصمت حكمة وفي التكتّم وقار وليس كل معرفة يجب أن تُقال، ولا كل شعور يجب أن يُشرح أحيانًا، يكفي أن تعرف، أن تحسّ، أن تفهم دون أن تُحدّث أحدًا يكفي أن يكون الوعي ملكك لا عبئًا على أحد.

نصيحتي لك

لا تكن واضحًا لدرجة أن تُتوقّع ولا عميقًا لدرجة أن تُغرق من يقترب كن كما النهر واضحًا في مجراه لكنّه لا يكشف قاعه إلا لمن سبح فيه بصبر وكن كما القمر يُرى من بعيد، ويُبهر بنوره، لكن لا أحد يلمسه.
نحن نعيش في زمن التعرية كل شيء مكشوف، معلن، مُذاع وكلما صرت مكشوفًا أكثر صرت مستهلكًا أكثرفحافظ على غموضك الجميل على أسرارك الصغيرة على صوتك الداخلي حين يقول لك كفى، هذا لي وحدي فالروح التي لا تترك شيئًا لنفسها تُنهك تُستهلك تتلاشى في تفاصيل الآخرين، ثمّ لا تجد ذاتها حين تبحث عنها.

أخيرا

لا تُفرّغ نفسك من أجلك كلّهم، ولا تنشر دفترك الأبيض على الطاولة لكل من يمرّاترك صفحةً بيضاء، لا يقرأها إلا الله ولا تفكّ رموزها إلا أنت ففي ذلك الحضور الصامت، توجد هيبتك، وتوجد نضجك، وتوجد أنت كما يجب أن تكون.


الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.