همسة خواطر (2)

اكتشفت أن اسمي مسجل في قائمة المتوفين منذ سنوات

ملف حكومي يحتوي على بيانات شخصية غير واضحة
ليست كل الملفات تحفظ الحقيقة بعضها يخفي ما لا يُقال

 البداية التي لم تكن عادية

لم أكن أتوقع أن يومًا بسيطًا يمكن أن يعيد تعريف حياتي بالكامل. خرجت فقط لإنهاء إجراء روتيني، ورقة تحتاج توقيعًا، لا أكثر. كنت أتحرك بهدوء، بلا تفكير عميق، وكأن كل شيء في حياتي يسير وفق ترتيب واضح لا يحتاج إلى مراجعة.
جلست أمام الموظف، ناولته هويتي، وانتظرت. كنت أراقب تفاصيل صغيرة لا معنى لها، حركة يده، صوت لوحة المفاتيح، انعكاس الضوء على الشاشة. ثم حدث شيء لم يكن في الحسبان. توقف.لم يكن التوقف طويلًا، لكنه كان كافيًا ليُشعرني أن هناك خللًا. أعاد إدخال البيانات، ثم نظر إليّ نظرة قصيرة، وكأنه يقارن بيني وبين ما يراه أمامه. لم أفهم السبب، لكن شيئًا داخلي بدأ يتحرك.
سألته إن كان هناك مشكلة، فقال بهدوء لا يتناسب مع الموقف إن النظام يظهر أن اسمي مسجل كمتوفى منذ سنوات.
لم أستوعب الكلمة فورًا. متوفى. كأنها مرت من جانبي دون أن تلمسني. ابتسمت، وقلت إن هذا خطأ. لكنه لم يبتسم. اكتفى بالإشارة إلى الشاشة، وكأن الحقيقة لا تحتاج إلى شرح.
خرجت من المكان وأنا أحاول أن أستوعب الفكرة، لكنني لم أشعر بالخوف. شعرت فقط أن هناك فجوة صغيرة بدأت تتكوّن في داخلي، فجوة لا أعرف حجمها الحقيقي.

حين تتحول البيانات إلى لغز

عندما عدت إلى المنزل، لم أتردد. فتحت الموقع الرسمي وأدخلت بياناتي. كنت أتوقع أن أجد خطأً بسيطًا ينتهي كل شيء معه، لكن الشاشة لم تتردد في عرض الحقيقة كما هي.
الاسم كاملًا.
رقم الهوية.
ثم الحالة: متوفى.
في تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد موقف غريب، بل تحول إلى سؤال مفتوح. كيف يمكن لشيء رسمي بهذا الوضوح أن يكون خاطئًا؟ وكيف يمكن لحياتي أن تستمر وكأن شيئًا لم يحدث؟
جلست طويلًا أمام الشاشة، لا أبحث عن إجابة بقدر ما أحاول أن أجد تفسيرًا منطقيًا. كنت أسترجع السنوات الماضية، أراجعها كما لو كنت أقرأ قصة أعرف نهايتها، لكنني أبحث فيها عن سطر مفقود.
كل شيء بدا طبيعيًا، وهذا ما جعل الأمر أكثر إرباكًا.

تفاصيل لا تتطابق مع الذاكرة

في الأيام التالية، بدأت ألاحظ أشياء لم أكن أنتبه لها من قبل. لم تكن كبيرة، لكنها كانت كافية لتزرع الشك.
بعض الذكريات كانت ضبابية بشكل غير مبرر. مواقف يفترض أنني عشتها، لكنني لا أستطيع تذكرها بوضوح. صور في هاتفي لا أشعر أنها تخصني بالكامل. رسائل كتبت بأسلوبي، لكنها لا تحمل إحساسي.
كنت أتعامل مع كل ذلك بهدوء، أحاول ألا أضخم الأمور، لكن الشعور كان يتكرر. كأنني أعيش حياة أعرفها من الخارج، لا من الداخل.
في إحدى اللحظات، سألت نفسي سؤالًا بسيطًا، لكنه كان كافيًا ليغير كل شيء: ماذا لو لم يكن الخطأ في النظام؟
لم تكن الفكرة مريحة، لكنها كانت منطقية أكثر مما توقعت.

البحث عن الحقيقة خارج التوقعات

ذهبت إلى الجهة التي سُجلت فيها الحالة. لم أكن أبحث عن إثبات بقدر ما كنت أبحث عن فهم. طلبت الاطلاع على التفاصيل، وبعد انتظار، حصلت على ملف يحمل اسمي.
كان كل شيء مرتبًا بدقة. تواريخ، تقارير، توقيعات. لم يكن هناك أي مؤشر على خطأ. كل شيء يشير إلى أن ما حدث موثق بالكامل.
قرأت جزءًا من التقرير، ثم توقفت. لم أكن مستعدة لقراءة كل شيء دفعة واحدة. شعرت أنني إن واصلت، قد أجد إجابة لا أستطيع التعامل معها.
غلقت الملف، لكنني لم أستطع إغلاق الفكرة.
خرجت وأنا أدرك أن الحقيقة ليست كما كنت أعتقد، وأن هناك جزءًا من حياتي لا أراه بوضوح.

حين تبدأ الشكوك بالاتساع

مع مرور الوقت، لم تعد الفكرة غريبة، بل أصبحت جزءًا من تفكيري اليومي. لم أعد أرفضها، بل بدأت أتعامل معها كاحتمال.
بدأت أراقب نفسي أكثر. كيف أتذكر الأشياء، كيف أشعر بها، كيف أتفاعل معها. اكتشفت أن بعض اللحظات تمر وكأنها مكررة، وكأنني عشتها من قبل، لكن دون تفاصيل واضحة.
لم يكن الأمر مخيفًا، بل كان هادئًا بطريقة غير مريحة. كأن الحقيقة لا تصرخ، بل تهمس.
في إحدى الليالي، كنت أرتب أغراضي القديمة، فوجدت دفترًا لم أفتحه منذ زمن. لم أتذكر متى كتبته، لكنني شعرت أنه قد يحمل شيئًا مهمًا.
فتحته ببطء.

رسائل من وقت لا أتذكره

كانت الصفحة الأولى تحمل جملة قصيرة: ليس كل ما يُنسى يختفي.
توقفت عندها طويلًا. لم أستطع تجاهلها، كأنها كُتبت لي، في لحظة كنت أعرف فيها شيئًا لا أتذكره الآن.
قلبت الصفحات، فوجدت ملاحظات متفرقة، أفكار قصيرة، تواريخ غير مرتبة. لكن ما شد انتباهي أن بعض التواريخ تعود إلى تلك الفترة التي يفترض أنني لم أكن فيها.
لم أفهم كيف يمكن لذلك أن يحدث، لكنني لم أستطع إنكاره.
شعرت أنني أقف أمام جزء من حياتي لكنني لا أملكه.

بين الذاكرة والواقع

بدأت أرى حياتي بطريقة مختلفة.
لم تعد مجرد أحداث متتالية، بل أصبحت طبقات، بعضها واضح، وبعضها مخفي.
لم أعد أبحث عن إجابة واحدة، بل بدأت أتقبل أن الحقيقة قد تكون معقدة. ربما هناك شيء حدث ولم أستوعبه، أو ربما هناك جزء من ذاكرتي اختار أن يختفي.
وفي لحظة هدوء، أدركت أنني لست بحاجة إلى معرفة كل شيء لأستمر.

النهاية التي لا تشبه البدايات

عدت إلى حياتي، لكنني لم أعد كما كنت. لم يتغير كل شيء، لكن طريقة رؤيتي له تغيرت.
لم أعد أبحث عن تفسير نهائي، لأنني أدركت أن بعض الأسئلة لا تملك إجابة واحدة. وربما هذا ما يجعلها حقيقية.
أما ما لا نفهمه.
الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.