recent
أخبار ساخنة

لماذا يشعر جيلنا بالضياع رغم كل الفرص؟

أحيانًا أجلس بهدوء وأتأمل هذا الجيل فأشعر أننا نعيش أكثر الأزمنة ازدحامًا بكل شيء، ومع ذلك أكثرها فراغًا من الداخل.
كل شيء أصبح متاحًا أمامنا؛ الفرص، المعرفة، الأعمال، الطرق، وحتى الأحلام لم تعد محدودة كما كانت قديمًا. بضغطة زر تستطيع أن تتعلم، وتعمل، وتبدأ مشروعًا، وتصل للعالم كله، لكن رغم ذلك هناك شعور خفي يسكن داخل كثير منا شعور بالتيه، وكأننا نسير كثيرًا دون أن نصل فعلًا.
أحيانًا لا يكون الضياع بسبب قلة الفرص، بل بسبب كثرتها.
هذا الجيل لم يعد يحتار بين طريقين فقط، بل بين مئات الطرق. وكل طريق يخبرك أنه الأصح، وكل شخص يقنعك أن النجاح يجب أن يحدث بسرعة، وأن التأخر خسارة، وأن عليك أن تحقق شيئًا عظيمًا قبل عمر معين، وإلا ستشعر وكأنك متأخر عن الجميع.
ومع مرور الوقت يبدأ الإنسان بالركض دون أن يفهم إلى أين يذهب أصلًا.

شاب يقف أمام عدة طرق متفرعة ويتأمل مستقبله وسط شعور بالحيرة والضياع رغم كثرة الفرص
صورة تعبر عن حيرة جيل اليوم أمام تعدد الفرص والخيارات، حيث يقف شاب في مفترق طرق يتأمل مستقبله وسط أجواء هادئة تعكس التفكير والبحث عن الطريق الصحيح في الحياة.
جيل يرى كل شيء إلا نفسه

نحن أول جيل يعيش داخل عقول الناس طوال الوقت.
نفتح هواتفنا فنرى نجاحات الآخرين، سفرهم، مشاريعهم، إنجازاتهم، صور سعادتهم، وكأن الجميع يعيش حياة مثالية إلا نحن.
في كل يوم يظهر شخص أصغر منك عمرًا وقد حقق ما كنت تحلم به، وآخر يتحدث عن دخله العالي، وثالث يعرض تفاصيل حياته وكأن الراحة أصبحت سهلة للجميع.
ومع هذا التدفق المستمر تبدأ المقارنة بصمت.
تلك المقارنة التي لا يراها أحد لكنها تستهلك الروح بهدوء.
تشعر فجأة أن حياتك بطيئة، وأنك لم تنجز بما يكفي، وأن الجميع سبقك، رغم أنك في الحقيقة ربما تبذل جهدًا عظيمًا لا يراه أحد.
لكن المشكلة أن الناس تعرض لحظاتها المضيئة فقط، أما خوفهم، تعبهم، انهياراتهم، الليالي التي بكوا فيها بصمت فلا أحد يتحدث عنها.
لهذا أصبح كثير من الناس يشعرون بالنقص وهم في الحقيقة يسيرون بشكل طبيعي جدًا.

كثرة الخيارات أتعبت قلوبنا

قد يبدو الأمر غريبًا، لكن كثرة الفرص ليست دائمًا راحة.
أحيانًا الإنسان يضيع لأنه لا يعرف ماذا يختار، ويخاف أن يتخذ قرارًا يندم عليه لاحقًا.
  • هذا الجيل يعيش في حالة تفكير مستمرة؛ ماذا أدرس؟ 
  • ماذا أعمل؟
  •  هل أكمل؟
  •  هل أغير طريقي؟ 
  • هل أنا فعلًا في المكان الصحيح؟
  •  هل شغفي حقيقي أم مجرد هروب؟
أسئلة كثيرة تدور داخل الإنسان حتى يصبح عقله مزدحمًا طوال الوقت.
وفي النهاية قد يتوقف عن البدء أصلًا ليس لأنه عاجز، بل لأنه خائف من الاختيار الخطأ.

نحن متعبون نفسيًا أكثر مما نظهر

الحقيقة التي لا يتحدث عنها كثيرون هي أن هذا الجيل يحمل فوق قلبه ضغوطًا هائلة.
نحاول أن نبدو بخير دائمًا، أن نبتسم، أن نكمل حياتنا بشكل طبيعي، لكن داخل كثير منا معارك صامتة لا يعلم عنها أحد.
هناك من يشعر بالخوف من المستقبل كل ليلة.
ومن يخاف أن يفشل.
ومن يشعر أنه لا يعرف نفسه أصلًا.
ومن أصبح يركض طوال الوقت فقط حتى لا يواجه فراغه الداخلي.
المشكلة أن الحياة أصبحت سريعة بشكل مرهق، حتى مشاعرنا لم نعد نمنحها وقتًا كافيًا للفهم.
كل شيء يحدث بسرعة؛ العلاقات، القرارات، الأحلام، وحتى الانهيارات النفسية أصبحت تمر بصمت لأن الجميع مشغول بالنجاة فقط.

النجاح لم يعد يعني الراحة

في هذا الزمن أصبح النجاح يُقاس بالأرقام أكثر من الشعور.
  • كم تملك؟
  •  كم متابع لديك؟
  •  ماذا حققت؟
  •  كم تربح؟ 
  • ماذا أنجزت؟
  • لكن قليلًا من الناس يسألون: هل أنت مرتاح فعلًا؟
هناك أشخاص يبدون ناجحين جدًا من الخارج، لكنهم يعيشون تعبًا داخليًا لا يوصف.
وفي المقابل، هناك من يملك حياة بسيطة جدًا لكنه ينام مرتاح القلب.
المشكلة أن العالم أقنع هذا الجيل أن النجاح صورة يجب عرضها أمام الناس، لا شعور يجب أن يعيشه الإنسان مع نفسه.
ولهذا أصبح كثيرون يركضون خلف صورة مثالية لا تشبه حقيقتهم أصلًا.

لماذا نشعر بالفراغ رغم الانشغال؟

لأن الإنسان حين يعيش بعيدًا عن نفسه يتعب.
قد تنشغل طوال يومك، تعمل، تتحدث، تتابع، تكتب، تضحك، لكنك في آخر الليل تشعر بشيء ناقص لا تستطيع تفسيره.
وكأن روحك تريد شيئًا أعمق من كل هذا الضجيج.
ربما لأن الإنسان خُلق ليعيش بسلام لا ليبقى في سباق دائم.
لكن هذا العصر جعلنا نخاف من التوقف، نخاف من الهدوء، نخاف أن نشعر أننا لسنا كافيين إذا لم نحقق شيئًا كبيرًا باستمرار.
حتى الراحة أصبح البعض يشعر بالذنب تجاهها.

الضياع لا يعني أنك ضعيف

أحيانًا يظن الإنسان أن حيرته تعني أنه فاشل أو ضائع للأبد، لكن الحقيقة أن أغلب البشر يمرون بمراحل لا يفهمون فيها أنفسهم جيدًا.
حتى الأشخاص الذين تبدو حياتهم واضحة الآن مروا سابقًا بفترات خوف وتشوش وتردد.
لكن الفرق أن بعضهم استمر رغم الحيرة.
الحياة ليست طريقًا مستقيمًا كما كنا نظن، بل رحلة طويلة من التغيرات وإعادة اكتشاف النفس.
وأحيانًا، أكثر الناس وعيًا هم أكثرهم شعورًا بالتعب؛ لأنهم يفكرون كثيرًا، ويشعرون بعمق، ويحاولون فهم الحياة أكثر من غيرهم.

ربما نحن لا نحتاج أن نصل بسرعة

أشعر أحيانًا أن هذا الجيل لا يحتاج مزيدًا من السرعة بل يحتاج طمأنينة.
يحتاج أن يفهم أن الحياة ليست سباقًا، وأن لكل إنسان وقته المختلف، وأن التأخر في بعض الطرق قد يكون حماية لا خسارة.
ليس مطلوبًا منك أن تكون نسخة مذهلة طوال الوقت.
وليس عليك أن تملك إجابة لكل شيء الآن.
يكفي أن تحاول.
يكفي أن تستمر رغم تعبك.
يكفي أن تنجو بنفسك من هذا الضجيج الهائل دون أن تفقد روحك.

في النهاية ربما يشعر جيلنا بالضياع لأنه يرى العالم كله دفعة واحدة، ويحاول أن يحمل فوق قلبه أكثر مما يحتمل.

لكن وسط كل هذا التعب، ما زلت أؤمن أن هذا الجيل يملك شيئًا مختلفًا يملك وعيًا عميقًا، ومشاعر حقيقية، ورغبة صادقة في أن يعيش حياة لها معنى، لا مجرد حياة مليئة بالمظاهر.
ولهذا لا تخف إن شعرت أحيانًا أنك تائه.
بعض الطرق الجميلة تبدأ بالحيرة.
وبعض البشر لا يجدون أنفسهم إلا بعد سنوات طويلة من الضياع.
وربما أنت لا تتأخر عن الحياة كما تظن، بل تسير في الطريق الذي كُتب لك بوقته المناسب.
author-img
الكاتبة ساره سالم الغامدي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX